خافضة رافعة: معنى الآية وكيف تقلب القيامة الموازين

خافضة رافعة: معنى الآية وكيف تقلب القيامة الموازين
2026/11/06

ليست منازلُ الناس في الدنيا هي منازلَهم الحقيقيةَ عند الله، ولا ما يحظون به من جاهٍ أو سلطانٍ أو شهرةٍ دليلًا على رفعة قدرهم في الآخرة؛ فهناك يومٌ عظيم تتبدل فيه الموازين، وتسقط فيه الاعتبارات الزائفة، وتظهر فيه الحقائق التي غابت عن أعين الناس.
إنه يوم القيامة، الذي وصفه الله تعالى بكلمتيْنِ بليغتيْنِ تختصران مشهدًا مهيبًا من مشاهد ذلك اليوم: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾.

قال الله تعالى في صدر سورة الواقعة:
﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ۝١ لَیۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ۝٢ خَافِضَةࣱ رَّافِعَةٌ ۝٣ ﴾ [الواقعة: 1-3].
فما معنى أن تكون الواقعة خافضة رافعة؟ وكيف تغير هذه الحقيقة نظرتنا إلى الدنيا ومنازل أهلها؟

يومٌ يخفض أقوامًا ويرفع آخرين

تأتي عبارة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وصفًا للقيامة، وهي تجمع بين معنيين متقابلين: الخفض والرفع، في تصوير بليغ لما يقع في ذلك اليوم من تغيُّرٍ عظيمٍ في منازل الخلق ومصائرهم.

وقد ذكر المفسرون أن القيامة تخفض أقوامًا إلى النار، وترفع آخرين إلى الجنة؛ فتضع أهل الشقاء في دركات الهوان، وترفع أهل الإيمان والطاعة إلى درجات النعيم والكرامة.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: «تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء»(1).

وقال الإمام البغوي رحمه الله: «تخفض أقوامًا إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة». ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا مستضعفين»(2).

ونفس المعنى مروي عن محمد بن كعب القُرَظيِّ، قال: «تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا منخفضين»(3).

وقال السُّدِّيّ: "خَفَضَتِ المُتَكَبِّرِين، وَرَفَعَتِ المُتَوَاضِعِين".(4).

وهكذا، فإن الرفعة التي يتنافس عليها الناس في الدنيا ليست بالضرورة رفعةً عند الله، كما أن الخمول أو التواضع في أعين الناس لا يعنيان أن صاحبهما قليل المنزلة عند ربه. فقد يكون صاحب السلطان والجاه من أهل الخسران، وقد يكون المستضعف الذي لا يُلتفت إليه من أهل الكرامة والرضوان.

حين تسقط مقاييس الدنيا

اعتاد الناس أن يزنوا بعضهم بعضًا بما يملكون من أموال، وما يبلغون من مناصب، وما يحظون به من شهرة ونفوذ، حتى ربما عظّموا صاحب الدنيا وإن قلَّ نصيبه من الخير، وأهملوا صاحب التقوى والصلاح لأنه لا يملك ما يلفت الأنظار.

لكن القيامة تكشف أن هذه المقاييس ليست هي الميزان الذي تُعرف به منازل العباد عند الله؛ فكم من إنسان ارتفع ذكره في الدنيا، وتعاظم في أعين الناس، ثم لا يكون له يوم القيامة ما كان يتوهمه من رفعة ومكانة! وكم من عبد خفيّ، لا يعرفه الناس ولا يلتفتون إليه، يكون عند الله عظيم القدر، كريم المنزلة!

وقد أوضح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانًا عمليًّا حين "مَرَّ رَجُلٌ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ما تَقولونَ في هذا؟ قالوا: حَريٌّ إن خَطَبَ أن يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُستَمَعَ"، وإنما قالوا ما قالوا لأنهم يرونه صاحب مال وجاه وسلطان.
ثم "مَرَّ رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسلِمينَ، فقال: ما تَقولونَ في هذا؟ قالوا: حَريٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشَفَّعَ، وإن قال أن لا يُستَمَعَ"، فتأمل كيف قالوا فيه عكس ما قالوا في الأول لأنهم يرونه فقيرا لا مال له ولا جاه ولا سلطان.

وهنا تدخل النبي صلى الله عليه وسلم ليصحح هذا المقياس المضطرب لديهم؛ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «هذا (الفقير) خَيرٌ مِن مِلءِ الأرضِ مِثلَ هذا (الغني)».(5)

فقيمة الإنسان ومكانته ليست بمالِه ولا جاهِه ولا سُلطانِه، وإنَّما هي بالإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما قال الله تعالى شأنه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

فهذا هو الميزان الذي ينبغي أن يستقر في القلوب: ليست العبرة بعلو المنزلة في أعين الناس، وإنما العبرة بما يكون للعبد عند الله من إيمان وتقوى وإخلاص وصالح عمل.

لا تغتر بارتفاعِك في الدنيا

إن من أعظم ما تحمله هذه الآية من المواعظ أن تحذر الإنسان من الاغترار بما أُعطي من أسباب الرفعة الدنيوية؛ فالمنصب لا يضمن النجاة، والمال لا يشتري كرامة ورفعة في الآخرة، والشهرة لا تصنع لصاحبها منزلة عند الله إن لم يصحبها إيمان وعمل صالح.

بل قد تتحول النعم التي يتباهى بها صاحبها إلى أسباب للخذلان إذا أورثته كبرًا أو ظلمًا أو طغيانًا، وإذا جعلته يحتقر الناس ويظن أنه خير منهم.

ومن هنا، فإن استحضار يوم القيامة يربي في النفس التواضع، ويكسر حدة التنافس على المظاهر، ويجعل الإنسانَ أحرصَ على إصلاح قلبه وعمله من حرصه على تحسين صورته في أعين الناس.

فما قيمة أن يمدحك الناسُ اليوم، إذا كنتَ ممن يخسرون غدًا؟ وما قيمة أن تتصدر المجالس، إذا لم يكن لك عند الله نصيب من التقوى؟ وأي ربح في أن ينشغل المرء بطلب ثناء المخلوقين، ويغفل عن نظر الله إليه وعلمه بسريرته وعلانيته؟

إن من عرف أن المنازل الحقيقية ستنكشف يوم القيامة، هان عليه أن يفوته شيء من حظوظ الشهرة والظهور، ولم يجعل رضا الناس غايته، ولم يبذل عمره في طلب مكانة زائلة على حساب طاعة باقية.

وفي المقابل، تحمل الآية بشارةً لكل مؤمن صالح ضاقت به الدنيا، أو لم ينل فيها حظًا من الجاه والشهرة، أو عاش بعيدًا عن الأضواء، لا يعرف قدره كثير من الناس.

فليست قلة المال دليلًا على الهوان، ولا ضعف المنزلة الاجتماعية دليلًا على قلة القدر عند الله. وقد يرفع الله عبدًا بإيمانه وإخلاصه وصبره، وإن لم يكن له في الدنيا ذكر واسع أو مقام رفيع.

ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات بعض مظاهر الدنيا، ولا أن يقيس نجاحه بما يبلغه غيرُه من شهرة أو نفوذ، وإنما يسأل نفسه: هل أنا أقرب إلى الله؟ هل أؤدي ما افترضه عليَّ؟ هل أصلح سريرَتي؟ هل أُخلص في عملي، وأُحسن إلى الناس، وأُجاهد نفسي على الطاعة؟

إن هذه هي الأسئلة التي تعيد ترتيب الأولويات، وتنقل القلب من التعلق بمنازل الناس إلى الحرص على المنزلة عند رب الناس.

وليس معنى ذلك أن كل مشهورٍ مذمومٌ، أو أن كل خامل أفضل من غيره؛ فالغنى والجاه والشهرة قد تكون أبوابًا للخير إذا استُعملت في طاعة الله، كما أن الخفاء وحده لا يكفي لنيل الكرامة. وإنما العبرة بما يصحب هذه الأحوال من إيمان وتقوى وعمل، وبما يستقر في القلب من إخلاص وتواضع.

إنذار للمتكبرين وعزاء للصابرين:

إن هذه الكلمات القرآنية القليلة تفتح أمام المؤمن أفقًا واسعًا من التفكر والمحاسبة؛ فهي إنذار لكل من طغى بما أُعطي، وتعالى على عباد الله، وظن أن ما عنده من أسباب القوة والرفعة يجعله بمنأى عن الحساب.

وهي في الوقت نفسه عزاء لمن صبر على ضيق الدنيا، وحفظ دينه، وأحسن عمله، ولم يحملْه ما يلقاه من إهمال الناس أو استضعافهم له على اليأس أو ترك الاستقامة.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وارزقنا الإخلاص والتواضع وحسن العمل، ولا تجعلنا ممن تغرهم منازل الدنيا الزائلة.


💬 شاركنا في التعليقات: 

ما المعنى الذي استوقفك في قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾؟ وما العمل الذي ترى أنه يعين المسلم على طلب الرفعة عند الله؟ 
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي (7/ 125). 
(2)تفسير البغوي (7/ 7).
(3)تفسير ابن كثير (7/ 126).
(4) السابق نفسه.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه (5091).
 

بحث
الأكثر تداولاً
صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة