رمضان مدرسةٌ للروح، وفي ظلام لياليه تُضاء القلوب بدموع الخاشعين في القيام والتهجد، طلبًا لمغفرة الرحمن. فما أعظم أن نختم يوم الصيام بركعات تُرفع بها الدعوات!
فهل تعلم قارئ العزيزي- الفرق الدقيق بين قيام الليل والتهجد والوتر؟
إن قيام الليل باب واسع، والتهجد خُصص لمن أراد المزيد، والوتر مسك الختام، فتعرف على هذه الدرجات لتسمو بروحك في ظلمة الليل.
قيام الليل:
هومن أجل الطاعات وأفضل القربات، وليس من شرط القيام من الليل أن ينام المسلم قبله، وليس من شرطه أيضًا أن يكون في الصلاة، فسائر القربات في الليل تعد من قيام الليل.
جاء في مراقي الفلاح: "معنى القيام أن يكون مشتغلا معظم الليل بطاعة، وقيل: ساعة منه، يقرأ القرآن أو يسمع الحديث أو يسبح أو يصلي على النبي ﷺ".
وجاء النص على قيام الليل في بعض آيات القرآن الكريم، منها:
قال عز وجل:(وَعِبَادُ الرَّحْمَـنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا*وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)[الفرقان: 63-64].
قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً*نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل:1-4].
قال سبحانه:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) [المزمل:20].
التهجد:
أما التهجد فهو القيام بعد النوم، وهو من أفضل القيام وأكثره ثوابا، قال القرطبي ـ رحمه الله في تفسيره: "التهجد التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة، لأنه ينتبه لها، فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم".
وقال الحجاج بن عمرو الأنصاري -رضي الله عنه-: "يحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد أن يصلي الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: إسناده حسن.
فتبين بهذا أن قيام الليل أعم وأشمل من التهجد، لأنه يشمل الصلاة وغيرها، ويشمل الصلاة قبل النوم وبعده.
وأما التهجد فهو خاص بالصلاة، وفيه قولان:
الأول: أنه صلاة الليل مطلقا، وعليه أكثر الفقهاء.
والثاني: أنه الصلاة بعد رقدة.
وجاء النص على التهجد في بعض آيات القرآن الكريم، منها:
قال سبحانه: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) [الإسراء: 79].
قال تعالى:(كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات:18-17].
قال عز وجل:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [السجدة:16].
صلاة الوتر:
جاء في مجموع فتاوى ابن باز: أما صلاة الوتر فأقلها ركعة واحدة بعد العشاء أو في آخر الليل، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى"[رواه البخاري (990)، ومسلم (749)]
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- :
والسنة قولاً وفعلاً قد فرقت بين صلاة الليل وبين الوتر، وكذلك أهل العلم فرقوا بينهما حكماً، وكيفية :
أما تفريق السنة بينهما قولاً:
ففي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً سال النبي ﷺ كيف صلاة الليل؟ قال : (مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة).
وأما تفريق السنة بينهما فعلاً:
ففي حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي ﷺ يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوتر" [رواه البخاري(512)، ومسلم(744)] .
وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل حكماً:
فإن العلماء اختلفوا في وجوب الوتر، فذهب أبو حنيفة إلى وجوبه، وهو رواية عن أحمد ذكرها في "الإنصاف" و"الفروع"، قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة. والمشهور من المذهب أن الوتر سنة، وهو مذهب مالك؛ والشافعي .
وأما صلاة الليل فليس فيها هذا الخلاف، ففي "فتح الباري": "ولم أر النقل في القول بإيجابه إلا عن بعض التابعين. قال ابن عبد البر: شذ بعض التابعين فأوجب قيام الليل ولو قدر حلب شاة، والذي عليه جماعة العلماء أنه مندوب إليه".
وأما تفريق العلماء بين الوتر وصلاة الليل في الكيفية:
فقد صرح الحنابلة بالتفريق بينهما فقالوا: صلاة الليل مثنى مثنى، وقالوا في الوتر: إن أوتر بخمس، أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وإن أوتر بتسع جلس عقب الثامنة فتشهد، ثم قام قبل أن يسلم فيصلي التاسعة، ثم يتشهد ويسلم، هذا ما قاله صاحب "زاد المستقنع".[مجموع فتاوى ابن عثيمين]
ويتبين مما سبق أن:
قيام الليل: هو سائر القربات والطاعات التي يؤديها العبد في الليل.
التهجد: هو الصلاة في الليل بعد النوم خاصة.
الوتر: هو الصلاة التي تختم بها صلاة الليل، وتصلى وتراً أي ركعة واحدة أو ثلاثاً.
اللهم اجعل صيامنا مغفرةً للذنوب، وقيامنا نورًا للقلوب









