قل أحل لكم الطيبات… هل تدبرت هذا المنهج الرباني؟

قل أحل لكم الطيبات… هل تدبرت هذا المنهج الرباني؟
2026/02/16

حين يفتح القرآن باب السؤال عن الحلال، فإنه لا يفتحه ليحصُر الإنسان في دائرة المنع، ولا ليُثقِل عليه بقيود التفاصيل، بل ليرسم له منهج العيش الطيب؛ عيشًا لا تنفصل فيه لقمة العيش عن نقاء القلب، ولا يتحول فيه الرزق إلى مادة صمّاء بلا معنى.

ومن هنا جاء سؤال الصحابة: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمۡ﴾، سؤال الباحث عن الطمأنينة قبل الإباحة، وعن رضا الله قبل الشبع. 
فجاء الجواب القرآني جامعًا بين السعة والانضباط، وبين الفطرة والتكليف، ليؤسس قاعدة كبرى في الشريعة: أن الأصل هو الطيب، وأن ما خرج عن الطيب في معناه أو أثره فليس من مقاصد الله لعباده.

يقول تعالى: ﴿قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّیِّبَـٰتُ﴾، والطيبات – كما قال سعيد بن جبير – هي الذبائح الحلال الطيبة، لا لمجرد إباحتها، بل لأنها توافق الفطرة ولا تفسد بدنًا ولا دينًا.

ولهذا سُئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: «ليس هو من الطيبات»، وسُئل مالك عن بيع الطين الذي يؤكل فقال: «ليس من الطيبات».

فالحل في الإسلام ليس مجرد رفع حظر، بل إقرار بما يزكّي الإنسان ولا يبتذله.
ثم ينتقل السياق إلى مثال عملي دقيق: ﴿وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِینَ﴾، والمراد بالجوارح – كما قال ابن عباس – الكلاب المعلمة والبازي والصقر وكل طير يُعلَّم للصيد. 
وهنا يبرز معنى عميق: أن الإباحة معلّقة على “التعليم”. فالجارح لا يُبيح صيده إلا إذا كان منضبطًا، يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، ويمسك على صاحبه لا على نفسه.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ﴾، فالعلم الذي يضبط به الإنسان الحيوان هو في أصله من تعليم الله للإنسان.
وفي ذلك تربية على التواضع، وردّ الفضل كله إلى الله، وتنبيه إلى أن العلم أمانة لا ترفًا.
ثم تأتي قاعدة النية والذكر: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّاۤ أَمۡسَكۡنَ عَلَیۡكُمۡ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ﴾، وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك»، فالذكر هو الذي يحوّل الصيد من فعل غريزي إلى عبادة.
وتُختم الآية بقوله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾، لتبقى التقوى هي الميزان النهائي: فالحلال مسؤولية، والرزق اختبار، ومن استهان بالحدود فلن يُمهله الحساب طويلًا.

وفي الختام: ما الموضوعات التي تحب القراءة عنها، وتشعر أنها تُعينك على تزكية نفسك؟
 ننتظر مشاركتك في التعليقات.


 

بحث

الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة