سورة الملك، مكيَّة، وهي ثلاثون آية، ولها فضائلُ عظيمةٌ تختصُّ بها عن سائر سور القرآن الكريم، خاصةً فيما يختصُّ بالشفاعة لصاحبها والمخاصمة عنه يوم القيامة حتى تدخله الجنة، كما أنها تنجيه من عذاب القبر.
اسم السورة:
لها عدة أسماء، أشهرها "سورة الملك"؛ وسُميت به لأن الله تعالى افتتحها بقوله: ﴿تَبَـٰرَكَ ٱلَّذِی بِیَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾ [الملك ١]
كما يُطلق عليها اسم "سورة تبارك الذي بيده الملك"، وفق ما ورد في عدة أحاديث سيأتي ذكرُ ها.
ولها أسماء أخرى: كـ"سورة تبارك الملك" و"المانعة" و"المنجية"، وتُعرف أيضًا باسم "الواقية".
فضلها:
-
تشفعُ لصاحبها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضِي اللهُ عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}». [رواه أصحاب السنن، وحسَّنه الترمذيُّ، والألباني]
وفي رواية أَبي داود: "تَشْفَعُ لصاحبها"
وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: "تَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ".
وفي تعبير بعضِ الروايات بالصحبة (لصاحبها) إشارةٌ إلى كثرة ملازمته لتلاوة سورة الملك وتدبُّرها والعمل بها؛ ولهذا قال بعض الشُّرَّاح: "كان لازَمَ على قراءتها فما زالتْ تسأل اللهَ فيه (حتى غُفر له) أي: حتى أخرجتْه من النار … وهذا حثٌّ لكلِّ أحدٍ على مواظبة قراءتها لينالَ شفاعتها" [فيض القدير (2/ 453)].
وقد أبهم عليه الصلاة والسلام اسمَ السورة في بداية الحديث ثم أبان عنه في ختامه بقوله وهي "تبارك"، وذلك فيه "نوعُ تفخيمٍ وتعظيمٍ لشأنها إذ لو قيل إن سورة تبارك شفعت … إلخ لم تكن بهذه المثابة" [السابق نفسه]
-
تخاصِمُ عن صاحبها:
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَةً، خَاصَمَتْ عَنْ صَاحِبِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ» [رواه الطبراني، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع]
والمعنى هنا في سياق قريب من المعنى في حديث أبي هريرة السابق، فقوله: "خاصمتْ عن صاحبها" أي: حاججَتْ عنه ودافعَتْ "حتى أدخلتْه الجنة" بعد منعه عن دخولها. [التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 420)]
-
تمنع من عذاب القبر:
عَنِ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: "سُورَةُ تَبَارَكَ هِيَ المَانِعَةُ مِن عَذَابِ القَبر" [حسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة]
وعن ابنِ مسعودٍ، قال: مَن قرأ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}كلَّ ليلةٍ منعه اللهُ عزَّ وجلَّ بها من عذابِ القبرِ، وكنَّا في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نسمِّيها "المانعةَ" وإنَّها في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ سورةٌ من قرأ بها في ليلةٍ فقد أكثَر وأطاب" [رواه النسائي وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].
وعنه أيضًا، قال: "يُؤْتَى الرَّجُلُ في قَبْرِهِ، فَتُؤْتَى رِجْلاَهُ فَتَقُولُ رِجْلاَه: لَيْسَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي سَبِيل؛ كَانَ يَقُومُ يَقْرَأُ بي سُورَةَ المُلْك، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ صَدْرِهِ ـ أَوْ بَطْنِهِ ـ فَيَقُول: لَيْسَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي سَبِيل؛ كَانَ يَقْرَأُ بي سُورَةَ المُلْك، ثُمَّ يُؤْتَى رَأْسُهُ فَيَقُول: لَيْسَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي سَبِيل؛ كَانَ يَقْرَأُ بي سُورَةَ المُلْك، فَهِيَ المَانِعَة، تَمْنَعُ مِن عَذَابِ القَبْرِ، وَهِي في التَّوْرَاةِ سُورَةُ المُلْك، مَنْ قَرَأَهَا في لَيْلَةٍ فَقَدْ أَكْثَرَ وَأَطْيَب" [رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وصَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ]
فيُعرف من مجموع هذه الآثار أن سورة الملك "تُجَادِلُ عَنْ صاحبها فِي الْقَبْرِ وَفِي الْقِيَامَةِ لِتَدْفَعَ عَنْهُ الْعَذَابَ وَتُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ"، كما قال السيوطيُّ رحمه الله [شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 30)]
ولمَّا كان لسورة الملك هذا الفضلُ الكبيرُ في دَفْعِ العذاب عن صاحبها والمخاصمة عنه والشفاعة له حتى يُغفرَ له ويدخل الجنة، وجدنا حرصَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على قراءتها قبل نومه، كما روى جابرُ بنُ عبد الله، رضي الله عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ لا ينامُ حتَّى يقرأَ {الم تَنْزِيلُ} و{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الملْكُ} [رواه الترمذي وأحمد، وصحَّحه الألباني]
لذا، يُؤمَّلُ لمن آمن بهذه السورة، وداوم على تلاوتها بإخلاص، متدبرًا دروسَها وحِكَمَها، ومُطبِّقًا أوامرَها في حياته، أن تكون سببًا في نجاته من عذاب القبر، وأن تشفع له يوم القيامة حتى تدخله الجنة بإذن الله.









