سورةُ المُدَّثِّر من أوائل ما نزل على النبي ﷺ؛ فهي رابع سور القرآن في ترتيب النزول، ولهذا فلا عجب أن يكون مقصدُ السورة الأبرزُ هو الأمرَ بالنهوض بالدعوة وتحمُّل أعبائها، وتوعُّد المكذبين بها.
وتضم السورة عددًا من الآيات (من الآية 11 إلى 30) نزلتْ في شأن أحدِ صناديد قريش الذين واجهوا دعوة النبي ﷺ بالتكذيب والعناد، وهو الشقي الفاجر «الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ» الذي سمع القرآن، وعرَف أنه كلام الرحمن، ولكنه في سبيل الزعامة وحبِّ الرئاسة، زعم أنه من قبيل السحر الذي تعرفه البشر.
والوليد هذا -يومئذٍ- سيدٌ من سادات قريش وأحد زعمائها وأغناهم مالاً وأكثرهم وجاهةً، وكان ذا مكانةٍ عاليةٍ حتى لقبوه بـ"رَيْحَانَة قُرَيْشٍ". وَكَانَ يُسَمَّى "الْوَحِيدَ" فِي قَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَانَ الْوَلِيدُ يَقُولُ: "أَنَا الوحيدُ بنُ الْوَحِيدِ، لَيْسَ لِي فِي الْعَرَبِ نَظِيرٌ، وَلَا لِأَبِي الْمُغِيرَةِ نَظِيرٌ".
وتبدأ الآيات بذكر شيء من نعم الله جل وعلا على الوليد، التي جعلت له هذه المكانة في قومه؛ حيث يقول اللهُ جل ثناؤه: ﴿ذَرۡنِی وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِیدࣰا ١١ وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالࣰا مَّمۡدُودࣰا ١٢ وَبَنِینَ شُهُودࣰا ١٣ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِیدࣰا ١٤ ثُمَّ یَطۡمَعُ أَنۡ أَزِیدَ ١٥ كَلَّاۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔایَـٰتِنَا عَنِیدࣰا ١٦ سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا ١٧﴾ [المدثر ١١-١٧]
صراع الفطرة والهوى
وتذكر كتب التفسير وأسباب النزول أن الوليد سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه رَقَّ له؛ حتى إنه قال كلامًا بديعًا يصف به ما سمع من كلام الله؛ فقال:
"وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلَامًا مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ وَلَا مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوُ وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ".
فلما علمت قريشٌ بذلك خشيت أن يدخل الوليدُ الإسلامَ فتتبعه قريشٌ كلها لما له من مكانةٍ بين الناس، فدخل عليه أبو جهل ودار بينهما هذا الحوار:
قال له أبو جهل: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليُعطوكه، فإنك أتيتَ محمدًا لتَعرَّض لِما قِبلَه.
قال: قد عَلمتْ قريشٌ أني مِن أكثرها مالًا.
قال: فقُلْ فيه قولًا يَبلغ قومك أنّك مُنكِرٌ له، أو أنك كارهٌ له.
قال: وماذا أقول؟ فواللهِ، ما فيكم رجلٌ أعلم بالشِّعر مني، ولا برَجَزِهِ ولا بقِصِيده مني، ولا بأشعار الجنّ، واللهِ، ما يُشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللهِ، إنّ لِقَوْله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لَطُلاوة، وإنه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفله، وإنّه لَيَعلو وما يُعلى، وإنه ليَحْطِم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومُك حتى تقول فيه.
قال: فدعني حتى أُفكِّر. فلما فَكَّر قال: هذا سحرٌ يُؤثر؛ يَأْثُره عن غيره. فنَزلت: (ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا …) [أخرجه الحاكم (3872) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي في التلخيص]
فتأمل حال الوليد في البداية حين ترك نفسها على سجيتها وفطرتها كيف كان منصفًا في كلامه عن القرآن، بل إنه قال فيه هذا الوصف البديع الذي مرَّ بك، ثم تأمل في حاله آخِرًا حين خالف فطرته وغلَبَتْ عليه شِقْوَتُه وعنادُه فافترى كذبًا وقال باطلا، وهذا ما صوّره القرآن أدقَّ تصويرٍ:
﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ١٨ فَقُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَیۡفَ قَدَّرَ ٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ٢٢ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ ٢٣ فَقَالَ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ یُؤۡثَرُ ٢٤ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ ٢٥﴾ [المدثر ١٨-٢٥]
ومعنى الآيات إجمالا: إنه فكَّر في نفسه، وهيَّأ ما يقوله من الطعن في محمد ﷺ والقرآن. فَلُعِن، واستحق بذلك الهلاك، كيف أعدَّ في نفسه هذا الطعن؟ ثم لُعِن كذلك، ثم تأمَّل فيما قدَّر وهيَّأ من الطعن في القرآن، ثم قطَّب وجهه، واشتدَّ في العبوس والكُلُوح لمّا ضاقت عليه الحيل، ولم يجد مطعنًا يطعن به في القرآن، ثم رجع مُعرِضًا عن الحق، وتعاظم أن يعترف به، فقال عن القرآن: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر يُنْقل عن الأولين، ما هذا إلّا كلام المخلوقين تعلَّمه محمد منهم، ثم ادَّعى أنه من عند الله! [التفسير الميسر (1/ 575- 576)]
خاتمة مخزية
فلما تجرَّأ هذا الكاذبُ العنيدُ على وصف كلام رب العالمين بهذا الوصف، كان حريًا بالعذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى:
﴿سَأُصۡلِیهِ سَقَرَ ٢٦ وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ٢٧ لَا تُبۡقِی وَلَا تَذَرُ ٢٨ لَوَّاحَةࣱ لِّلۡبَشَرِ ٢٩ عَلَیۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ٣٠﴾ [المدثر ٢٦-٣٠]
أي: سأُدخِلُه النَّارَ المُلتَهِبةَ، وأغْمُرُه فيها، فتُحيطُ به مِن جميعِ جوانِبِه، لِيُقاسيَ شدَّتَها وحرَّها.
وما أعلَمَك -يا محمَّدُ- أيُّ شَيءٍ سَقَرُ؟!
لا تُبقِي مَن دَخَل فيها حَيًّا، ولا تَترُكُه مَيِّتًا؛ فيَستريحَ مِن عَذابِها، وهي نارٌ مُحْرِقةٌ لبَشَرةِ أهْلِها، فتُحَوِّلُ لَونَ جُلودِهم إلى السَّوادِ، وعلى تلك النَّارِ تِسعَةَ عَشَرَ مَلَكًا. [التفسير المحرر]
وقد جمع الله على «الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ» عقوبة أخرى؛ إذ يقول الله فيه -على قولٍ في التفسير-: ﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ﴾ [القلم ١٦]
أي: سنجعلُ له علامةً على أنفه يُعرَف بها، وقد كان ففي غزوة بدر الكبرى خُطم ذلك الرجل بالسيف؛ أي: ضُرب به أنفُه، وبقي أثر هذه الضربة سمةً فيه وعلامةً له. [مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 380)].
والوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ … فكانت هذه العقوبة للوليد بلوغًا للغاية في إذْلالِه وإهانَته بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. [تفسير القاسمي (9/ 298 - 299)]
🔍 آياتٌ فيها عبرة باقية: لا تدع الغرور والعناد يحجبك عن الحق! .. وذكِّر بها غيرك واحتسب أجرًا 🤲📚









