(إيمَانًا وَاحْتِسَابًا).. إخلاصُك في رمضان🌙🤲

(إيمَانًا وَاحْتِسَابًا).. إخلاصُك في رمضان🌙🤲
2025/02/19

لعلَّ من أشهر الأحاديث المنتشرة بين الناس في فضائل شهر رمضان والعمل الصالح فيه، هذه الأحاديثَ الثلاثة المرويّة في الصحيحيْن:

  • «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفقٌ عَلَيْهِ].

  • «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفقٌ عَلَيْهِ].

  • «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفقٌ عَلَيْهِ].

والملاحَظُ فيها جميعًا أن النبي ﷺ اشترط في هذه العبادات (الصيام، القيام، قيام ليلة القدر) شرطًا لابدَّ من تحقيقه لتحصيل الأجر المرتَّب عليها وهو مغفرة ما تقدم مِن الذنوب، وهذا الشرط هو الإتيانُ بكل عبادة منها "إيمَانًا وَاحْتِسَابًا"! .. فما معنى "إيمَانًا وَاحْتِسَابًا"؟!

معنى (إيماناً) أي: إيماناً بالله ورسوله وتصديقًا بفرضية الصيام وما أعدَّ اللهُ تعالى للصائمين من جزيل الأجر.

ومعنى (احتساباً) أي: طلباً للأجر والثواب من الله -جل ثناؤه-، وذلك بأن يصوم أو يقوم إخلاصاً لوجه الله تعالى، لا رياءً ولا تقليداً ولا تجلداً لئلا يخالفَ الناس، أو غير ذلك من المقاصد. قَالَ الْخَطَّابِيُّ -رحمه الله-: "احْتِسَابًا أَيْ: عَزِيمَةً، وَهُوَ أَنْ يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَثْقِلٍ لِصِيَامِهِ وَلَا مُسْتَطِيلٍ لِأَيَّامِهِ" [فتح الباري لابن حجر (4/ 115)]
وقال النووي - رحمه الله - في معنى (احتساباً): "أَنْ يُرِيدَ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا يَقْصِدُ رُؤْيَةَ النَّاسِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ". [شرح النووي على مسلم (6/ 39)].

وقال ابنُ بطال في معنى (احتسابًا): "يريد بذلك يحتسب الثوابَ على الله، وينوي بصيامه وجهَ الله، وهذا الحديثُ دليلٌ بيّنٌ أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تُتقبّلُ إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قال عليه السلام: (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)". [شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 21)].

ومن العجيبِ بعد ذلك أنك تجدُ أناسًا كلَّ عامٍ مع دخول رمضان يكثرون من السؤال عن مسألة تبييت النية من الليل للصيام، ومسألة تجديد النية في كلِّ يومٍ من الشهر؟!

واختصارًا نقول: لا يصحُّ الصَّومُ بدون نيَّةٍ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ. كما أنه يجِبُ تبييتُ النيَّةِ مِنَ الليلِ قبل طُلوعِ الفَجرِ، وهو مذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّة، والشَّافِعيَّة، والحَنابِلة. ثم إن أهل العلم اختلفوا في اشتراطِ تَجديدِ النِّيَّةِ في كلِّ يومٍ مِن رَمَضانَ على قولينِ:

  • القول الأول: يُشتَرَط تجديدُ النِّيَّةِ لكلِّ يومٍ من رَمَضانَ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّة، والشَّافِعيَّة، والحَنابِلة.

  • القول الثاني: أَنَّ ما يُشتَرَط فيه التتابُعُ تكفي النِّيَّةُ في أوَّلِه، فإذا انقطَعَ التَّتابُعُ لعُذرٍ يُبيحُه، ثم عاد إلى الصَّومِ؛ فإنَّ عليه أن يجَدِّدَ النِّيَّة، وهو مذهَبُ المالكِيَّة، وقولُ زُفَرَ مِن الحَنَفيَّة. [الموسوعة الفقهية بموقع الدرر السنية مختصرًا].

هذا هو الحكم الفقهي لكنَّ الذي نبحث عنه هذا العام هو أن تستحضر قلوبُنا أننا نصوم لله عز وجل "إيمانًا واحتسابا"؛ فيكون ذلك دافعًا لنا لتجويد نيتنا ومعالجة إخلاصنا ورعاية احتسابنا للأجر والثواب يوميا. وأضربُ لك مثلاً من معالجة أحدهم لنيته وتصحيحها قبل البدء في العمل، مخافة أن يذهبَ عدمُ الإخلاص أو عدمُ الاحتساب بأجر عمله. فقد قِيلَ لِنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَلَا تَشْهَدُ الْجَنَازَةَ؟ قَالَ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَنْوِيَ، قَالَ: فَفَكَّرَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: امْضِ. [جامع العلوم والحكم (1/ 70)]. فتأمّل كيف خشِيَ أن يحرّكَ قدميه خطوةً واحدةً قبل أن يستحضر نيته، وما ذلك منه إلا حرصًا على عمله الصالح أن يضيع هباءً منثورًا إذا هو أوقعه بغير نية ودون احتساب.

فاحرص أيها المبارك على أمر نيتك وإخلاصك لله عز وجل في جميع أعمال الصالحة في شهر رمضان من صيامٍ وقيامٍ وإنفاقٍ ودعاءٍ وصلةِ أرحامٍ؛ فإن ذلك خير استثمار لزيادة أجور الأعمال ومضاعفة ثوابها؛ كما قال عبدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ -رحمه الله-: "رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ" [السير (تهذيبه) 2/ 769]. وقال ابنُ كثير: في تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] قال: أي بحسب إخلاصه في عمله.

فاللهمَّ أعنا على صيام شهر رمضان إيمانا واحتسابا، وأعنا على قيامه إيمانا واحتسابا، وأعنا على قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، واجعل أعمالنا في شهرنا هذا وفي سائر أعمارنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصةً، ولا تجعل لأحدٍ من الخَلْقِ فيها شيئا …

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة