ها هو ذا شهرُ شعبانَ قد أطلَّ علينا، يحملُ بين طيَّاتِه نسماتِ الخيرِ، ومبشِّراتِ البركةِ، ومذكِّرًا بقُربِ حلولِ شهرِ الرَّحمةِ والمغفرةِ، وكأنَّه يُنادينا للاستعدادِ لاستقبالِ رمضانَ، ويحثُّنا على اغتنامِ أيَّامِه في الطَّاعاتِ والقُرُباتِ.
ولقد كان لرسول الله ﷺ في شعبان نهجٌ كريم وسُنَّة مباركة، يجدر بكل مسلم أن ينهل منها، ويسير على خطاها، مقتديًا ومهتديًا بهديه الشريف، امتثالًا لقوله –تعالى-:(َّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ([الأحزاب: 21].
وقد ورد أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، فقد روى أحمد (26022)، وأبو داود (2336) والنسائي (2175) وابن ماجه (1648) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ). ولفظ أبي داود: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ). صححه الألباني في صحيح أبي داود (2048). فظاهر هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يصوم شهر شعبان كله.
لكن ورد أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان إلا قليلاً. روى مسلم (1156) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: (كانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلا).
وذهب العلماء في التوفيق بين هذين الحديثين إلى أن هذا كان باختلاف الأوقات، ففي بعض السنين صام النبي ﷺ شعبان كاملاً، وفي بعضها صامه النبي ﷺ إلا قليلاً. وهو اختيار الشيخ ابن باز -رحمه الله-.
والعِلَّةُ في كَثْرَةِ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ في شَعْبَانَ وُرِدَتْ فيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ: (قُلْت: يَا رَسُول اللَّه، لَمْ أَرَك تَصُومُ مِنْ شَهْر مِنْ الشُّهُور مَا تَصُوم مِنْ شَعْبَان، قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان، وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) حسنه الألباني في "صحيح النسائي" (2221).
فَبَيِّنْ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَمْرَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى اللَّهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ فِيهِ.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِي شَعْبَانَ، وَأَنْ يُبَلِّغَنَا بِمَنِّهِ رَمَضَانَ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ، وَيُعِينَنَا عَلَى طَاعَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.









