قال الله -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184]
أي: مَن كان مِن المؤمنين في حالِ مرضٍ أو سَفَر، فأفطَر، فعليه أنْ يَقضيَ صيامَ الأيَّام الَّتي أفطَرها في أيَّامٍ أخرى.[تفسير ابن كثير]
حكم فطر المسافر في رمضان:
فالمسافر يرخص له في الفطر إذا كان يقطع في سفره مسافة القصر (83 كيلو متر تقريباً)؛ لأن السفر مظنة المشقة.
قال القرافي في الفروق: ولذلك جُعلت البقاع التي في مسافة القصر معتبرة في قصر الصلوات؛ لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص.
وأيهما أفضل في حقه: الفطر أم الصيام؟
المسألة فيها خلاف بين العلماء:
القول الأول: أن الفطر أفضل من الصوم في السفر، والصوم مكروه.
وهذا مذهب الحنابلة، وقول عند الشافعية [المغني لابن قدامة- المجموع للنووي]، واختاره ابن تيمية، وابن القيم.[مجموع الفتاوى-زاد المعاد]
واستدلوا على ذلك: بأنه رخصة من الله ينبغي للعبد أن يسارع في قبولها والتمتع بها؛ فقد قال ﷺ "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".[أخرجه مسلم (686)]
القول الثاني: أن الصوم أفضل لمن يقوى عليه.
وهذا وجه عند الحنابلة، وهو مذهب الجمهور: من الحنفية، والمالكية، والشافعية [المجموع للنووي]، واختاره ابن حزم، والنووي، وابن حجر.[فتح الباري لابن حجر]
واستدلوا على ذلك: بأنه فعل النبي ﷺ، وأسرع في إبراء الذمة.
القول الثالث: أن المسافر مخير بين الصيام والإفطار؛ أي: أنهما سيان مستويان.
وهذا القول حكي رواية عن الشافعي.[التمهيد لابن عبدالبر]
القول الرابع: أن الأفضل في حق المسافر هو الأيسر عليه.
وهذا القول اختاره ابن المنذر، ونقله عن بعض السلف.[الاقناع لابن المنذر]
متى يفطر المسافر؟
من عزم على السفر في رمضان فإنه لا ينوي الفطر حتى يسافر؛ لأنه قد يعرض له ما يمنعه من سفره.
ولا يُفطر المسافر إلا بعد خروجه ومفارقة بيوت قريته العامرة (المأهولة)، فإذا انفصل عن بنيان البلد أفطر، وكذا إذا أقلعت به الطائرة وفارقت البنيان، وإذا كان المطار خارج بلدته أفطر فيه، أما إذا كان المطار في البلد أو ملاصقاً لها فإنه لا يُفطر فيه؛ لأنه لا يزال في البلد.
حكم فطر المريض في رمضان:
أما المريض فلا يباح له الفطر عند أكثر أهل العلم، إلا إذا كان يشق عليه الصوم، وقال بعض أهل العلم: يباح الفطر لأجل أي مرض ولو كان خفيفًا.
الفرق بين المسافر والمريض في هذه المسألة:
الفرق أوضحه ابن قدامة في المغني، حيث قال: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة. والأصل فيه قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، والمرض المبيح للفطر هو الشديد، الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تباطؤ برئه.
بهذا يتبين أن:
الرخصة بالسفر منوطة بمظنة المشقة الحاصلة من قطع تلك المسافة، وإن لم توجد بالفعل.
أما في المرض فالمعتبر هو المشقة ذاتها؛ لعدم انضباط المرض.
القضاء للمريض والمسافر:
فضاء المسافر الذي أفطر في رمضان:
يجب على المسافر الذي أفطر في رمضان القضاء في جميع الأحوال إذا انتهى سفره وانقضى رمضان.
قضاء المريض الذي أفطر في رمضان:
وإذا أفطر المريض -وكان المرض مما يُرجى شفاؤه- وجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها متى شُفي؛ لقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَو عَلَىٰ سَفَر فَعِدَّة مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، أي فليصم إذا برئ أياما أخرى بديلة عن تلك التي أفطرها.
وإذا كان المرض مما لا يُرجى شفاؤه -بأن كان مرضا مُزْمنا، أو كان صاحبه كبيرا عاجزا عن الصيام عجزا مستمرا- فإن المفطر يُطعم عن كل يوم أفطر فيه؛ شخصا مسكينا من أصناف الطعام الأكثر شيوعا في بلد سُكناه.









