يحكي أحدُهم أنه كان في صالة مطار فشاهد طفلا صغيرا يصر على الانفلات من يدي أمه وينطلق نحو الدرج، والأم تثنيه جهدها، ويأبى الطفل إلا إصرارًا على مطلوبه، ولا يدري خطورة ما يريد الإقدام عليه! ولو تركته الأم لما يريد لآذى نفسه من حيث لا يعلم!
هذا هو حالنا تمامًا في كثيرٍ من شؤوننا؛ فقد يُلِحُّ العبدُ في الدعاء، ويتشبث ببعض مطلوباته ظانًّا أنها الخير المحض، بينما يصرفها الله الحكيم العليم عنه لما يعلم من أن وراءها أذى أو فتنة أو ضيقًا لم يبلغه علمه!
ولذلك من المهم أن نضع نصب أعيننا دوما قول الله تبارك وتعالى:
﴿وَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَهُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰۤ أَن تُحِبُّوا۟ شَیۡـࣰٔا وَهُوَ شَرࣱّ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦]
فهذه الآية تكشف للعبد محدودية نظره، وتُعرِّفه بمدى افتقاره إلى علم ربه وقدرته وحكمته! كأنها تقول له باختصار: أنت لا ترى الصورة مكتملة، نظرك محدود، وعلمك قاصر، بل أنت على الحقيقة لا تعلم ما فيه صلاحُك، وصلاحُ دينك، ودنياك، والله سبحانه قد أحاط بكل شيء علمًا! فالأولى بك أن ترضى بما قضاه الله لك، مهما خفيت عليك وجوهُ الحكمة فيه!
ولو تأملت قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخَضِر عليه السَّلامُ الواردة في سورة الكهف، ستدرك تمامًا هذا المعنى، فموسى في المواقف الثلاثة (خرق السفينة، قتل الغلام، بناء الجدار) لم يدرك سبب الفعل الذي أقدم عليه الخَضِر، ولهذا فقد بادر بالاعتراض والرفض، حتى بيَّنَ له الخَضِر لاحقًا حكمةَ الله عز وجل في هذه الأفعال، فكان فيها أتم المصلحة وأنفعها لأحوال عباده!
وذكر ابن القيم رحمه الله أن في هذه الآية ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا…﴾ عدةَ حِكَم وأسرار ومصالح للعبد:
منها أن يعلم العبد أن العواقب بيد الله، وأن ما يكرهه قد يحمل الخير، وما يحبه قد يحمل الشر. وهذا يوجب امتثال الأوامر وإن شقّت، واجتناب النواهي وإن مالت إليها النفس؛ لأن العاقل ينظر إلى العواقب لا الظواهر.
ومنها أنها تقتضي من العبد تفويض الأمر لله، والرضا باختياره؛ فإن في ذلك قوة وصبرًا ولطفًا وصرفًا للآفات.
✨تحدِّي الحُفَّاظ:
ورد قوله تعالى:
﴿وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ في 4 مواضع
والخامس: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾
هل تستطيع ذكر هذه المواضع؟









