ليس كل الناس يُهدَون إلى الكلمة الطيبة، فكم من إنسان يعرف الحق، لكن لسانه يؤذي، وكلماته تجرح، وأسلوبه ينفّر.
ولهذا لم يقل الله عن أهل الجنة إنهم قالوا الطيب من القول، بل قال: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: 24].
إنها هداية من الله، ومنحة يختص بها من طهرت قلوبهم، حتى صار لسانهم لا يختار إلا ما يرضيه سبحانه.
وقد فسر السلف الطيب من القول بأنه كلمة التوحيد، والأذكار، والقرآن، وكل كلام يحبه الله.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو "لا إله إلا الله"، وقال ابن زيد: هو "لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله". وجمع ابن كثير هذه الأقوال، مبينًا أنها لا تتعارض، فكل قول طيب يقرب إلى الله داخل في معنى الآية.
وهنا تتجلى حقيقة يغفل عنها كثير من الناس: إن اللسان لا يستقيم وحده، وإنما يستقيم إذا استقام القلب.
فمن امتلأ قلبه بتوحيد الله، وتعظيمه، وذكره، لم يعتد السباب، ولا الغيبة، ولا السخرية، ولا الكلمات التي تكسر النفوس. فاللسان ليس إلا ترجمانًا لما يسكن القلب.
ولهذا كان النبي ﷺ ألين الناس كلامًا، وأحسنهم خطابًا. لم يكن اللين عنده ضعفًا، ولم تكن الشدة هيبة، بل كان يضع لكل مقام ما يناسبه، فإذا نصح رفق، وإذا عاتب أنصف، وإذا تكلم اختار أحسن الألفاظ.
ولذلك دخلت القلوب في دين الله قبل أن تدخل بالأدلة، دخلت بحسن خلقه ولين منطقه.
وإذا تأملت أكثر المشكلات بين الناس، وجدت أن كثيرًا منها لم يبدأ بفعل، وإنما بدأ بكلمة؛ كلمة غضب، أو سخرية، أو استهزاء، أو سوء ظن.
وبالمقابل، كم أصلحت كلمة طيبة بيتًا، وجبرت خاطرًا، وأطفأت خصومة، وأعادت مودةً كادت تضيع. لذلك جعل الإسلام الكلمة صدقة، ووعد عليها بالأجر العظيم.
ومن أجمل ما في الآية أنها تربط بين القول الطيب وصراط الحميد، فكأن من وفقه الله إلى طيب كلامه، فقد أخذ بيده إلى طريقه المستقيم. فليس حسن اللسان مجرد ذوق اجتماعي، بل هو علامة على صحة الإيمان، وأثر من آثار الهداية.
الواجب العملي:
راقب لسانك اليوم قبل أن تراقب ألسنة الناس. وكلما هممت بكلمة، اسأل نفسك: هل هذه من الطيب الذي يرضاه الله؟ فإن كانت كذلك فقلها، وإن لم تكن، فاعلم أن الصمت حينئذٍ عبادة.
وختامًا:
ما آخر كلمة طيبة سمعتها، وتركت أثرًا جميلًا في نفسك حتى اليوم؟









