‌الفُضَيْلُ ‌بْنُ ‌عِيَاضٍ.. آيةٌ تقودُه إلى الهداية!

‌الفُضَيْلُ ‌بْنُ ‌عِيَاضٍ.. آيةٌ تقودُه إلى الهداية!
2025/02/23

كان الفضيلُ بنُ عياضٍ (المُتوفَّى سنة 187هـ) إمامًا في الورع والزهد والعبادة، وله أقوالٌ مأثورة ومواعظُ مؤثرة، وقد أثنى عليه كثيرٌ من العلماء ووصفوه بصفات عظيمة، تُنبي عن إمامته في العلم والعمل.

فقد وصفه الذهبيُّ في "السير" (8/ 421) بأنه: «الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الثَّبْتُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ». وقال عنه ابنُ سعد: «كان ثقة نبيلا فاضلا عابدا ورعا كثير الحديث» [تهذيب التهذيب (3/ 400)]. وفي حياته، قال عنه ابنُ المبارك: «مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنَ ‌الفُضَيْلِ ‌بنِ ‌عِيَاضٍ» [السير (8/ 424)].
ووُصف الفضيلُ بنُ عياض في بعض المصادر بـ"عابد الحرمين" نظرًا لزهده وعبادته في مكة والمدينة، حيث قضى جزءًا كبيرًا من حياته بعد توبته مجاورًا للحرم المكي، عابدًا زاهدًا.

وللفضيل قصة مشهورة في سبب توبته بعد أن كان لصًّا يقطع الطريق ويروّع المسافرين:

فقد «كَانَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ شَاطِراً يَقْطَعُ الطَّرِيْقَ بَيْنَ أَبِيْوَرْدَ وَسَرْخَسَ، وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً، فَبَيْنَا هُوَ يَرْتَقِي الجُدْرَانَ إِلَيْهَا، إِذْ سَمِعَ تَالِياً يَتْلُو: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوْبُهُم … } [الحَدِيْدُ: 16] . فَلَمَّا سَمِعَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَدْ آنَ. فَرَجَعَ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ، فَإِذَا فِيْهَا سَابِلَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُم: نَرحَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُم: حَتَّى نُصْبِحَ، فَإِنَّ فُضَيْلاً عَلَى الطَّرِيْقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا. قَالَ: فَفَكَّرْتُ، وَقُلْتُ: أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي المَعَاصِي، وَقَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ هَا هُنَا يَخَافُونِي، وَمَا أَرَى اللهَ سَاقَنِي إِلَيْهِم إِلَاّ لأَرْتَدِعَ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ البَيْتِ الحَرَامِ.» [«سير أعلام النبلاء» (8/ 423)].

فتأمَّل كيف كان لآيةٍ واحدةٍ من كتاب الله تبارك وتعالى أعظمُ الأثر في توبة الفضيل ورجوعِه عن طريق الضلال والتزامه طريقَ الحقِّ والرشاد. وكان لهذه البداية مع القرآن دورٌ كبيرٌ في توطيد علاقته بالقرآن، وتأثُّره الشديد به، والوقوف على دقيق معانيه. ولعلَّنا نركز في السطور التالية على هذا الجانب في حياته ومواعظه.

فقد اجتمع قومٌ عند الفضيل بن عياض، فقال بعضُ مَن كان في المجلس: فيكم مَن يقرأ القرآن؟ فقرأ بعضُ القوم ممن كان حاضرًا؛ فلما سمع القرآن خرج وعينه تشخب دموعا، وهو يقول: "كلام الله عز وجل"!. فلما فرغ القارئ من قراءته دعا بدعوات، ثم قال: "إخواني؛ لو علمتُ أنكم تريدون هذا العلم لله لرحلتُ إليكم إلى منازلكم فإن كنتم صادقين فعليكم بالقرآن حتى متى تعلمون ولا تعملون، حتى متى ترحلون ولا تنتفعون؟!» [تاريخ دمشق لابن عساكر (48/ 444)].

وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ مِنكُمۡ وَٱلصَّـٰبِرِینَ وَنَبۡلُوَا۟ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد ٣١]، بكى وقال: "اللهم لا تبتلنا، فإنك ‌إذا ‌ابتليتنا ‌فضحْتَنا وهتكتَ أستارنا". [تفسير ابن جُزَيّ (2/ 284):].

وتلا الفضيل هذه الآية: ﴿ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۗ ﴾ [التوبة ٣٤]، ثم قال: «تَفْسِيرُ الأَحْبَارِ: الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرُ الرُّهْبَانِ: الْعُبَّادُ.» [تفسير ابن أبي حاتم (6/ 1787)].

وأورد ابنُ كثيرٍ في تفسيره لقول الله عز وجل: ﴿كُلَّمَاۤ أَرَادُوۤا۟ أَن یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِیدُوا۟ فِیهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلۡحَرِیقِ﴾ [الحج ٢٢] قولَ الفضيل بن عياض: «والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيّدة وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبُها وتردُّهم مقامعُها»[تفسير ابن كثير (5/ 396)].

وقال البغويُّ لدى تفسير قول الله جل ثناؤه: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِیمِ﴾ [الانفطار ٦]، "قِيلَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: لَوْ أَقَامَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ مَاذَا كُنْتَ تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ غَرَّنِي سُتُورُكَ الْمُرَخَّاةُ" [معالم التنزيل (4/ 455)].

وكذا أورد جماعةٌ من المفسرين عند قوله تعالى:﴿ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [الملك ٢]، قولَ الفُضَيْل بْن عِيَاضٍ "أَحْسَنُ عَمَلًا": أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قيل: ما ‌أخلُصه ‌وأصوبُه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يُقبل. وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة" [«تفسير الثعلبي (27/ 91)].

وكان وعظُه بالقرآن مؤثرًا يعمل عمله في القلوب، ومن عجيب ما ورد عنه في ذلك، ما أورده الذهبي في السير (8/  438-439): قَالَ يَحْيَى بنُ أَيُّوْبَ: دَخَلْتُ مَعَ زَافِرِ بنِ سُلَيْمَانَ عَلَى الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، فَإِذَا مَعَهُ شَيْخٌ، فَدَخَلَ زَافِرٌ، وَأَقعَدَنِي عَلَى البَابِ.

قَالَ زَافِرٌ: فَجَعَلَ الفُضَيْلُ يَنْظُرُ إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ المُحَدِّثُونَ يُعْجِبُهُم قُرْبُ الإِسْنَادِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِسْنَادٍ لَا شَكَّ فِيْهِ: رَسُوْلُ اللهِ، عَنْ جِبْرِيْلَ، عَنِ اللهِ: {نَاراً وَقُوْدُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} [التَّحْرِيْمُ: 6] فَأَنَا وَأَنْتَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّيْخِ، وَجَعَلَ زَافِرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ الفُضَيْلُ، وَقُمْنَا، وَالشَّيْخُ مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ.

وإجمالاً فكلمات الفضيل ومواعظه المبثوثة في كتب التراجم والتفاسير تفيض علمًا وحكمةً وعذوبةً ورقةً، وتكشف عن زهد الرجل وورعه وعبادته، حتى قال الذهبيُّ عنه: «وَلِلْفُضَيْلِ رحمه الله مَوَاعِظُ، وَقَدَمٌ فِي التَّقْوَى رَاسِخٌ» [السير (8/ 442)].

ولقد كان الفضيلُ بنُ عياض -رحمه الله- نموذجًا فريدًا لرجل غيرته آيةٌ من كتاب الله، فانقلب من قاطع طريق إلى إمام في العلم والزهد والورع. حمل القرآن في قلبه، وتأثر بمعانيه حتى أصبح لسانُه لا ينطق إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، وأصبحت مواعظُه مصابيحَ يُستضاء بها لكل من أراد سلوك طريق الحقِّ والهُدى.

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة