ليس كل ما نحزن لفقده شرًّا، وليس كل ما نتمنى حصوله خيرًا لنا. فقد يرى الإنسان الأمر بعين اللحظة، فيحكم عليه من خلال ما سبّبه له من ألم أو خيبة، بينما يعلم الله عاقبته وما يترتب عليه من خير أو شر. ولذلك جاءت هذه الآية العظيمة لتعلّمنا أن ما نكرهه قد يكون خيرًا لنا، وأن ما نحبه قد يكون على خلاف ذلك.
قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
جاءت الآية في سياق الحديث عن القتال، وهو أمر شاق على النفوس؛ لما فيه من مشقة وخطر، ومع ذلك بيّن الله أن ما تكرهه النفوس قد يكون وراءه من الخير ما لا تراه.
وذكر ابن كثير أن هذا المعنى عام في الأمور كلها؛ فقد يحب الإنسان شيئًا وليس له فيه مصلحة، ويكره شيئًا ويكون الخير مختبئًا وراءه.
وهنا تأتي أعظم رسالة في الآية: لا تحكم على قدر الله من بدايته.
فقد يكون الشيء الذي أبكاك يحمل لك خيرًا لم يظهر بعد، وقد يكون الباب الذي أُغلق في وجهك بابًا لو فُتح لأتعبك وأضرّك. وربما يكون التأخير حماية، والمنع رحمة، والفقد صرفًا لشر، وتغيّر الطريق وصولًا إلى ما هو أصلح.
والإنسان بطبيعته يتعلّق بما يحب، فيظن أن سعادته لا تكتمل إلا بحصوله عليه.
فإذا حُرم منه، ظن أن مستقبله قد ضاع.
لكن الآية تعيد ترتيب هذه النظرة؛ فليست العبرة دائمًا بما نحب، وإنما بما فيه الخير الحقيقي لنا. وقد يكون من رحمة الله أن يمنع عنك شيئًا تتعلق به، لأن علمه سبحانه بما وراءه أعظم من علمك بما أمامك.
وقد بيّن الطبري أن الله يعلم ما هو خير لنا وما هو شر، بينما لا نحيط نحن بعواقب الأمور.
وأكد الآلوسي أن النفوس قد تكره ما فيه صلاحها، وتحب ما يفضي بها إلى الضرر؛ لأن الإنسان لا يرى من الأمر إلا ما ظهر له، أما علم الله فمحيط بالعواقب.
ولذلك، إذا ضاقت بك نفسك بسبب أمر لم يتم، فلا تجعل الحزن يهيأ لك بأن الخير قد انتهى. لا تجعل خسارة فرصة واحدة تجعلك تظن أن جميع الأبواب قد أُغلقت، ولا تجعل تأخر أمنية يجعلك تستسلم لليأس.
فالله قادر على أن يبدّل الحال، وأن يفتح من الأبواب ما لم يخطر لك على بال.
وليس المطلوب أن تفهم الحكمة في لحظتها.
فقد تمرّ عليك أيام لا ترى فيها إلا الألم، ثم تكشف لك الأيام شيئًا من الخير الذي كان مستترًا خلف ذلك الألم. وربما تتذكر أمرًا كنت شديد الحزن عليه، ثم تحمد الله بعد مدة لأنه لم يحدث كما أردت.
لذلك اصبر، وأحسن الظن بالله، ولا تتعجل الحكم على أقداره. فربما كان التأخير إعدادًا، والمنع حماية، والانصراف نجاة، والانتظار تهيئة لعطاء أكبر.
فإذا فاتك ما تمنيت، فلا تقل: انتهى الخير، بل قل: لعل الله اختار لي ما هو خير. وإذا أُغلق أمامك باب، فلا تقف طويلًا عنده؛ فقد يكون الله قد أغلقه ليصرفك إلى باب أصلح. وإذا طال انتظارك، فلا تظن أن دعاءك قد ضاع؛ فالله يعلم متى يكون العطاء خيرًا لك.
فاطمئن؛ فما اختاره الله لك أعلم بك من اختيارك لنفسك، وما دام تدبير الأمر بيده، فثمة خير قد لا تراه الآن، وعوض قد يأتيك من حيث لا تحتسب.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى ما أحزنك اليوم، فتقول بقلب مطمئن: الحمد لله أن الأمر لم يكن كما تمنيت.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
شاركنا في التعليقات: ماذا تعلمت من الفائدة؟
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy