عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم -: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ , فَقَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا». [أخرجه أحمد، والطبراني في "الكبير"، وصحَّحه الألباني في: الصَّحِيحَة: 199 ، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1822].
قال ابنُ القيم -رحمه الله-: الرّبيع الْمَطَر الَّذِي يحيي الأَرْض، شبّه الْقُرْآن بِهِ لحياة الْقُلُوب بِهِ، وَكَذَلِكَ شبهه اللهُ بالمطر وَجمع بَين المَاء الَّذِي تحصل بِهِ الْحَيَاةُ ، والنور الَّذِي تحصل بِهِ الإضاءةُ وَالْإِشْرَاقُ كَمَا جمع بَينهمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَسَالَتۡ أَوۡدِیَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّیۡلُ زَبَدࣰا رَّابِیࣰاۖ وَمِمَّا یُوقِدُونَ عَلَیۡهِ فِی ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَاۤءَ حِلۡیَةٍ﴾ [الرعد ١٧].
فتضمّن الدُّعَاء أَن يحيي قلبه بربيع الْقُرْآن وَأَن ينوّر بِهِ صَدره فتجتمع لَهُ الْحَيَاةُ والنورُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَیۡتࣰا فَأَحۡیَیۡنَـٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ﴾ [الأنعام ١٢٢].
وَلما كَانَ الصَّدْرُ أوسعَ من الْقلب؛ كَانَ النُّورُ الْحَاصِلُ لَهُ يسري مِنْهُ إِلَى الْقلب؛ لِأَنَّهُ قد حصَّلَ لما هُوَ أوسعُ مِنْهُ، وَلما كَانَت حَيَاةُ الْبدن والجوارح كلُّهَا بحياة الْقلب تسري الْحَيَاةُ مِنْهُ إِلَى الصَّدْر، ثمَّ إِلَى الْجَوَارِح، سَأَلَ الْحَيَاةَ لَهُ بِالربيعِ الَّذِي هُوَ مادّتُها.
وَلما كَانَ الْحَزَنُ والهمُّ وَالْغَمُّ يضادُّ حَيَاةَ الْقلب واستنارتَه؛ سَأَلَ أَن يكون ذهابُها بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهَا أَحْرَى أَن لَا تعود، وَأمَّا إِذا ذهبتْ بِغَيْر الْقُرْآن من صِحَةٍ أَو دنيا أَو جاهٍ أَو زَوْجَةٍ أَو ولدٍ؛ فَإِنَّهَا تعود بذهاب ذَلِك.
وَالْمَكْرُوهُ الْوَارِدُ على الْقلب: إِن كَانَ من أَمر مَاضٍ أحدَثَ الْحزَنَ، وإن كَانَ من مُسْتَقْبَلٍ أحدثَ الْهمَّ، وَإِن كَانَ من أَمرٍ حَاضرٍ أحدَثَ الْغمَّ، وَالله أعلم. [الفوائد بتصرف يسير، ص: 26]









