وَرَدَ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ).
وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُدَ: (أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ، يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ) [صَحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيح أبي داود: 2048]. فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَصُومُ شَهْرَ شَعْبَانَ كُلَّهُ.
لَكِنْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا. عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: (كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ: 1156].
وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِلَى أَنَّ هَذَا كَانَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَفِي بَعْضِ السِّنِينَ صَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَعْبَانَ كَامِلًا، وَفِي بَعْضِهَا صَامَهُ إِلَّا قَلِيلًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- [مَجْمُوعُ فَتَاوَى الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ 15/416].
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يُكْمِلُ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ صَامَ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالُوا: وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، فَإِذَا صَامَ الرَّجُلُ أَكْثَرَ الشَّهْرِ جَازَ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ.
وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا الرَّأْيِ بِمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: (وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ: 746].
وَبِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1971) وَمُسْلِمٌ (1157) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: (مَا صَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ).
وَرُبَّمَا يَكُونُ الْأَقْرَبُ لِلصَّوَابِ هُوَ أَنْ يَصُومَ الْمُسْلِمُ أَكْثَرَ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُ، وَإِنْ صَامَهُ كُلَّهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.









