تجسد آية ﴿ٱعۡمَلُوۤا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرࣰاۚ وَقَلِیلࣱ مِّنۡ عِبَادِیَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ:34] منهجًا ربانيًا يدعو إلى أن يكون الشكر لله عملاً وسلوكًا لا قولًا فحسب. فهي دعوة عملية إلى ترجمة الامتنان إلى عبادة دائمة وطاعة مستمرة في كل جوانب الحياة.
اعملوا بطاعة الله يا آل داود
يقول الله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا﴾: أي قلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه، مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها أيضًا مع سائر خلقه.
وفيها دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية. وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وكان آل داود عليه السلام — وهم داود وأولاده وأهله — قائمين بشكر الله قولًا وعملًا.
عبادة آل داود.. شكرٌ لا ينقطع
عن ثابت البناني قال:
كان داود، عليه السلام، قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
(إِنْ أَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صلاةُ داودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا) [صحيح البخاري (١١٣١) وصحيح مسلم (١١٥٩)].
الشكر بالأفعال والأقوال
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا).[ صحيح البخاري (4837)]
فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.
مقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان
قال القرطبي:
الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية.
وقال السعدي:
الشكر: اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى، وتلقيها افتقارًا إليها، وصرفها في طاعة اللّه تعالى، وصونها عن صرفها في المعصية.
ولابن القيم، رحمه الله، كلام نفيس عن الشكر، إذ يقول:
مقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان، ولذلك كان أرفعها وأعلاها، وهو فوق الرضا وهو يتضمن الصبر من غير عكس، ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه، لا يستحق صاحبه اسمه على الإطلاق إلا باستجماع المقامات له، ولهذا كان الإيمان نصفين: نصف صبر، ونصف شكر، والصبر داخل في الشكر، فرجع الإيمان كله شكرا، والشاكرون هم أقل العباد، كما قال تعالى ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣].
سرّ القِلّة في الشاكرين لله
وبين سبحانه وتعالى بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده ليسوا بكثير فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾.
وهو الذي جمع ظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر، بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير، وأمَّا المبالِغونَ في الشُّكرِ فقليلونَ.
قال ابن عباس:
يقول قليل من عبادي الشكور المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادًا واعترافًا وكدحًا.
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول:
اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ).
إن مقام الشكر من أشرف مقامات الإيمان وأعلاها، يجمع بين الصبر والرضا والتوكل والحب لله تعالى، ولا يناله إلا من امتلأ قلبه اعترافًا، ولسانه حمدًا، وجوارحه عملاً. فطوبى لمن جعله الله من "القليل" الذين أدركوا حقيقة قوله سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
شاركنا رأيك
لو طُلب منك أن تُعبّر عن شكرك لله بعملٍ واحد اليوم، فماذا ستفعل؟
...................
تفسير الطبري-فتح البيان للقنوجي- تفسير ابن كثير- تفسير القرطبي- تفسير السعدي- نظم الدرر للبقاعي- تفسير ابن القيم- عمدة الحفاظ للسمين الحلبي









