نداء إلهي أعجز البشرية إلى قيام الساعة..هل تعرفه؟

نداء إلهي أعجز البشرية إلى قيام الساعة..هل تعرفه؟
2025/06/18

في آية واحدة فقط، تتجلّى أعظم حجج القرآن وأقواها في مواجهة دعوى الافتراء، بأسلوب يتحدى العقل واللسان، ويكشف عن مصدر هذا الكلام الرباني. فهو ليس من تأليف بشر، بل آية باقية على عجز الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله.

قال الله تعالى: (أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُوا۟ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ) [يونس:38]

 

بديع الأسلوب وبليغ الكلام:

قال الله تعالى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)

أي: أم يقول المشركون المكذبون: اختلق محمد ﷺ القرآن من نفسه، وكذب على الله تعالى. [معاني القرآن للزجاج]

 

قال ابن عاشور في التحرير والتنوير:

ومن بديع الأسلوب وبليغ الكلام أن قدم وصف القرآن بما يقتضي بعده عن الافتراء وبما فيه من أجل صفات الكتب، وبتشريف نسبته إلى الله - تعالى - ثم أعقب ذلك بالاستفهام عن دعوى المشركين افتراء ليتلقى السامع هذه الدعوى بمزيد الاشمئزاز والتعجب من حماقة أصحابها فلذلك جعلت دعواهم افتراءه في حيز الاستفهام الإنكاري التعجيبي.

 

تحدي البلاغة:

قال الله تعالى:(قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ)

أي: قل- يا محمد- للمشركين: إن كنت قد افتريت هذا القرآن- كما تزعمون- فأنتم عرب مثلي، فأتوا بسورة واحدة فأنتم مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن، وحسن النظم وبلاغة الكلام، والمراد مثل هذه السورة لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه.[تفسير ابن كثير- فتح البيان للقنوجي]

 

كما قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 23، 24].

 

أقوى حجة وأوضحها وأظهرها للعقول:

قال الله تعالى: (وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

أي: وادعوا- أيها المشركون- من قدرتم أن تدعوه من شركائكم وأوليائكم؛ ليعينوكم على المجيء بسورة واحدة مثل سور القرآن، إن كنتم صادقين في زعمكم أني افتريت القرآن [تفسير السعدي]

 

جاء في تفسير الطبري:

فإن لم تفعلوا ذلك، فلا شك أنكم كَذَبَةٌ في زعمكم أن محمدًا افتراه، لأن محمدًا لن يَعْدُوَ أن يكون بشرًا مثلكم، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورةٍ مثله، فالواحد منهم عن أن يأتي بجميعه أعجز.

 

وجاء في فتح البيان للقنوجي:

وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول!

 فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية قال: لهم هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجَمّ بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم ومن الجن أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد  طول المراوغة والمماطلة فأنتم صادقون فيما نسبتموه إليّ والصقتموه بي.

فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل نكصوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد والمكابرة المجردة عن الحجة.

 

مراتب تحدي رسول الله ﷺ بالقرآن ستة:

أولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[الإسراء: ٨٨].

وثانيها: أنه - عليه السلام - تحداهم بعشر سور قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ[هود: ١٣].

وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ[البَقَرَةِ: ٢٣]

ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ[الطور: ٣٤].

وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله ﷺ في عدم التتلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان، سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها.

وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما قال: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وههنا آخر المراتب، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز. [تفسير الرازي]

 

بيان واضح لاعجاز القرآن:

وفي هذه الآية بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته، واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا صفاته، ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مِثْلُ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا كَلَامَ الْبَشَرِ، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمنا عليها، ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل. [تفسير ابن كثير]

 

لماذا جاء التحدي للعرب بهذا القرآن العظيم؟

قال ابن كثير في تفسيره:

هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته، وجزالته وطلاوته، وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم له انقيادا، كما عرف السحرة، لعلمهم بفنون السحر، أن هذا الذي فعله موسى، عليه السلام، لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله.

وكذلك عيسى، عليه السلام، بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله؛ ولهذا جاء في الصحيح، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يومَ القيامةِ" [رواه البخاري (7274) ومسلم (١٥٢)].

 

دلالة الآية:

وفي هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام تحدى العرب بسورة ما منه فلم يأتوا بذلك وإلا لنقل إلينا لتوفر الدواعي إلى نقله.[تفسير الآلوسي]

وقال الرازي في تفسيره:

تلك السورة في نفسها معجز، فإن الخلق وإن تتلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور.

 

وهكذا يتجلى إعجاز القرآن في بيانه، وتفوقه في فصاحته وبلاغته، فأسقطت حجج الكافرين، وبهت المفترونفمن لم يؤمن بعد هذا النور المبين، فقد أعرض عن الحق وتشبّث بالوهم والخذلان.

 

سلوك عملي

تدبر هذه الآية جيدًا.. وتساءل: من غير الله يقدر على هذا البيان؟

 

شاركنا برأيك

إن كان القرآن من عند الله – كما تشهد بلاغته – فماذا يعني لك ذلك على مستوى الالتزام والتلقي؟

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة