مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى

 مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
2025/02/06

(وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى:3]

 

افتَتَح اللهُ –تعالى- هذه السُّورةَ الكريمةَ مُقسِمًا بالنَّهارِ إذا انتشَرَ ضِياؤُه، وباللَّيلِ إذا سَكَن واشتدَّتْ ظُلمتُه، على أنَّه ما ترَكَ نبيَّه محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، وما أبغَضَه.

ثمَّ قال اللهُ تعالى له مُبَشِّرًا: ولَثَوابُ الآخرةِ خَيرٌ لك مِن الدُّنيا وما فيها، ولَسوفَ يُعطيك ربُّك مِنَ الخَيرِ حتَّى ترضى.

ثمَّ عَدَّد اللهُ تعالى بَعْضَ نِعَمِه على رَسولِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، فقال: ألم يَجِدْك رَبُّك -يا محمَّدُ- يتيمًا، فيسَّرَ لك مَن يُؤويك ويَكفُلُك، ووجَدَك ضالًّا عن مَعرفةِ القُرآنِ والإيمانِ، فعَلَّمَك وهداك، ووجَدَك فَقيرًا فأغناك.

ثمَّ أمَرَ اللهُ –تعالى- رَسولَه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بشُكْرِ هذه النِّعَمِ، فقال: فأمَّا اليَتيمَ فلا تُهِنْه ولا تَظْلِمْه، وأمَّا السَّائِلُ فلا تَنهَرْه وتَزجُرْه، وحَدِّثِ النَّاسَ بما أنعَمَ اللهُ به عليك.

وعن سَبَب النُّزولِ، فقد جاء عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عنه-، قال(اشتكى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلم يَقُمْ ليلتَينِ أو ثلاثًا، فجاءته امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ، إنِّي لأرجو أن يكونَ شَيطانُك قد ترَكَك، لم أرَهُ قَرِبَك منذُ ليلتَينِ أو ثلاثٍ! فأنزل اللهُ عزَّ وجَلَّ(وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى:1-3]. رواه البخاريُّ (1125)، ومسلمٌ (1797) واللَّفظُ له.

قال الرازي في تفسيره: ونُزولِها بسَبَبِ واقِعةِ إبطاءِ جِبريلَ على النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: دَلالةٌ على أنَّ القُرآنَ مِن عِندِ اللهِ؛ إذ لو كان مِن عندِه لَما امتَنَع.

وجاء في التبيان في أقسام القرآن لابن القيم: إقسامُه سُبحانَه على إنعامِه على رَسولِه وإكرامِه له وإعطائِه ما يُرضيه، وذلك متضَمِّنٌ لتصديقِه له، فهو قَسَمٌ على صِحَّةِ نُبُوَّتِه وعلى جزائِه في الآخرةِ، فهو قَسَمٌ على النُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأقسَمَ بآيتَينِ عَظيمتَينِ مِن آياتِه دالَّتَينِ على رُبوبيَّتِه وحِكمتِه ورحمتِه، وهما اللَّيلُ والنَّهارُ، فتأمَّلْ مُطابَقةَ هذا القَسَمِ -وهو نورُ الضُّحى الَّذي يوافي بعدَ ظلامِ اللَّيلِ- للمُقْسَمِ عليه -وهو نورُ الوَحيِ الَّذي وافاه بعدَ احتباسِه عنه، حتى قال أعداؤه: وَدَّعَ محمَّدًا ربُّه-، فأَقْسَمَ بضَوءِ النَّهارِ بعدَ ظُلمةِ اللَّيلِ على ضَوءِ الوَحيِ ونُورِه بعدَ ظُلمةِ احتباسِه واحتجابِه، وأيضًا فإنَّ فالِقَ ظُلمةِ اللَّيلِ عن ضوءِ النَّهارِ هو الَّذي فَلَقَ ظُلمةَ الجَهلِ والشِّركِ بنُورِ الوَحيِ والنُّبُوَّةِ؛ فهذان للحِسِّ، وهذان للعَقلِ، وأيضًا فإنَّ الَّذي اقتضَتْ رحمتُه ألَّا يَترُكَ عِبادَه في ظُلمةِ اللَّيلِ سَرْمدًا بل هداهم بضَوءِ النَّهارِ إلى مَصالِحِهم ومَعايشِهم: لا يَليقُ به أنْ يَترُكَهم في ظُلمةِ الجَهلِ والغَيِّ، بل يَهديهم بنورِ الوَحيِ والنُّبُوَّةِ إلى مَصالحِ دُنياهم وآخِرتِهم؛ فتأمَّلْ حُسْنَ ارتباطِ المُقْسَمِ به بالمُقْسَمِ عليه، وتأمَّلْ هذه الجزالةَ والرَّونَقَ الَّذي على هذه الألفاظِ، والجلالةَ الَّتي على معانيها.

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة