مدرسة إبراهيم في الدعاء.. كيف تفتح لك أبواب السماء؟

مدرسة إبراهيم في الدعاء.. كيف تفتح لك أبواب السماء؟
2025/07/30

في هذا الدعاء العميق لسيدنا إبراهيم عليه السلام، نجد مدرسة في التوحيد والافتقار إلى الله، حيث قدّم الثناء على خالقه قبل أن يسأله، ووقف متأملًا في نعم الله التي لا تُعد، ليبني على ذلك سؤاله لما فيه خير الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: (ٱلَّذِی خَلَقَنِی فَهُوَ یَهۡدِینِ* وَٱلَّذِی هُوَ یُطۡعِمُنِی وَیَسۡقِینِ* وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ* وَٱلَّذِی یُمِیتُنِی ثُمَّ یُحۡیِینِ* وَٱلَّذِیۤ أَطۡمَعُ أَن یَغۡفِرَ لِی خَطِیۤـَٔتِی یَوۡمَ ٱلدِّینِ*رَبِّ هَبۡ لِی حُكۡمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ*وَٱجۡعَل لِّی لِسَانَ صِدۡقࣲ فِی ٱلۡـَٔاخِرِینَ*وَٱجۡعَلۡنِی مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِیمِ* وَٱغۡفِرۡ لِأَبِیۤ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ* وَلَا تُخۡزِنِی یَوۡمَ یُبۡعَثُونَ) [الشعراء:78-87]

تقديم الثناء على السؤال:

أثنى إبراهيم عليه السلام على ربه سبحانه وتعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، يوم الدين، ودعا بما ينجي من هوله، فدل فعله على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، وله في الإجابة أثر عظيم.

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) فهو سبحانه المنفرد بنعمة الخلق، ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية، ثم خصص منها بعض الضروريات فقال:

(وَٱلَّذِی هُوَ یُطۡعِمُنِی وَیَسۡقِینِ) أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق السحاب، وأرسل المطر، وأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا.

(وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ)، ولما كان المرض من المكروهات، نَزَّه ربَّه عن نسبته إليه أدبًا مع الله، وإن كان كل شيء بقدره سبحانه وتعالى.

(وَٱلَّذِی یُمِیتُنِی ثُمَّ یُحۡیِینِ) أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. فهو سبحانه وتعالى وحده المنفرد بذلك، فيجب أن يُفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب.

(وَٱلَّذِیۤ أَطۡمَعُ أَن یَغۡفِرَ لِی خَطِیۤـَٔتِی یَوۡمَ ٱلدِّینِ)، وهنا إشارة لطيفة فإن إبراهيم عليه السلام لما ذكر البعث، ذكر ما يترتب عليه فقال: ﴿والَّذِي أطْمَعُ﴾ هضمًا لنفسه واطراحًا لأعماله، فإن الطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب؛ فلذلك لم يَعتدَّ بعمله، بل طمع في مغفرة الله وحده.

﴿أنْ يَغْفِرَ﴾ أي: يمحو ويستر. ولما كان الله سبحانه منزهًا عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد فقط، قال: ﴿لِي﴾ وأسند الخطيئة إلى نفسه وتواضع أمام مقام العبودية. وقال:﴿خَطِيئَتِي﴾ أي: تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي من خدمة العلي الكبير. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: الجزاء.

مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر:

 (رَبِّ هَبۡ لِی حُكۡمࣰا وَأَلۡحِقۡنِی بِٱلصَّـٰلِحِینَ)، أي: أيها المحسن إلي ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أي: عملاً متقنًا بالعلم، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أي: الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله وفعله خاليًا من الفساد.

(وَٱجۡعَل لِّی لِسَانَ صِدۡقࣲ فِی ٱلۡـَٔاخِرِینَ) أي: اجعل لي ثناء صدق، مستمر إلى آخر الدهر. ولما كان العبد الصالح لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر، قال: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ﴾ أي: ذكرًا جميلاً، وقبولًا عامًا، وثناءً حسنًا، بما أظهرت مني من خصال الخير. ﴿فِي الآخِرِينَ﴾ أي: الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إمامًا، فيكون لي مثل أجورهم، فإن (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ)[مسلم (1017)].

وقد استجاب الله تعالى لدعائه، فجعله شجرة مباركة فرّع منها الأنبياء الذين أحيي بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان النبي محمد ﷺ من قوله: (صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ).

والحاصل أن الله تعالى استجاب له، فوهب له من العلم والحكمة، ما كان به من أفضل المرسلين، وألحقه بإخوانه المرسلين، وجعله محبوبًا مقبولاً معظمًا مثنًى عليه، في جميع الملل، في كل الأوقات.

سعادة الآخرة والإرث العظيم:

(وَٱجۡعَلۡنِی مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِیمِ) أي: من أهل الجنة، التي يورثهم الله إياها. فخليل الله إبراهيم عليه السلام لما طلب سعادة الدنيا، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه، لا بشيء من ذلك، ولذلك شبه إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك، قال: ﴿واجْعَلْنِي﴾ أي: مع ذلك كله بفضلك ورحمتك ﴿مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.

أحق الخلق بالبر والدعاء:

(وَٱغۡفِرۡ لِأَبِیۤ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ* وَلَا تُخۡزِنِی یَوۡمَ یُبۡعَثُونَ)، وهذا الدعاء، بسبب الوعد الذي قال لأبيه (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم:47]. قال تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)[التوبة:114].

فنبي الله إبراهيم عليه السلام لما دعا لنفسه، ثنى بأحق الخلق ببره فقال: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ ثم علل هذا الدعاء بقوله: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ في حياته ﴿مِنَ الضّالِّينَ﴾. والظاهر أن هذا كان قبل معرفته بتأبيد شقائه، ولذلك قال:﴿ولا تُخْزِنِي﴾ أي: لا تهني بموته على ما يوجب دخوله النار، ولا بغير ذلك بالتوبيخ على بعض الذنوب، والعقوبة عليها والفضيحة ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.

أوجه الاستفادة:

·         تقديم الثناء على الله قبل السؤال يزيد من رجاء الإجابة.

·         أفضل الدعاء ما يجمع بين خير الدنيا والآخرة.

·         اعتراف العبد بتقصيره سِمة العبودية الصادقة.

·         مغفرة الله فضل لا يُنال بالعمل وحده.

·         حُسن الأدب مع الله من أعظم أسباب القبول.

·         من صور البر: الدعاء للوالدين.

بهذا الدعاء الجامع، علّمنا خليل الله كيف يكون الأدب مع الرب سبحانه، وكيف يُرجى الفضل وتُغرس بذور الصلاح والثناء في القلوب والألسن. فطوبى لمن اقتفى أثره، وسار على دربه، وجعل دعاءه زادًا للآخرة، واستظل بظلال هذه الآيات في طريق النجاة.

اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم، وألحقنا بالصالحين، ولا تخزنا يوم يُبعثون.

...........................

المراجع:

تفسير ابن كثير

تفسير السعدي

نظم الدرر للبقاعي

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة