قال الله –تعالى-:﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:85]. أي: اذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ القيامةِ حين نجمعُ الذين اتَّقَوا اللهَ بامتثالِ ما أمرَ، واجتنابِ ما نهى، فنقودُهم إلى الرَّحمنِ راكبينَ في رِفعةٍ وعلوٍّ، فيَقدَمونَ إلى جنَّتِه، ومحَلِّ ضِيافتِه، ودارِ كرامتِه ورِضوانِه.[تفسير السعدي]
وعُدِّيَ نَحْشُرُ بـ إِلَى الرَّحْمَنِ تَعظيمًا لهم وتَشريفًا، وذكَرَ صِفَةَ الرَّحمانيَّةِ إِلَى الرَّحْمَنِ الَّتي خصَّهم بها كرامةً؛ إذ لفْظُ ﴿الحشرِ﴾ فيه: جمْعٌ مِن أماكنَ مُتفرِّقةٍ، وأقطارٍ شاسعةٍ على سَبيلِ القهْرِ، فجاءت لفظةُ ﴿الرَّحمن﴾ مُؤذنةً بأنَّهم يُحْشرون إلى مَن يرحَمُهم.[تفسير الزمخشري]
ولفظةُ ﴿وفْدًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رُكْبانًا، الثّانِي: جَماعَةً، الثّالِثُ: زُوّارًا.[تفسير الماوردي] أيِ القادِمِينَ في إسْراعٍ ورِفْعَةٍ وعُلىً، كَما تَقْدُمُ الوُفُودُ عَلى المُلُوكِ، فَيَكُونُونَ في الضِّيافَةِ والكَرامَةِ، وهي مُشعِرةٌ بالإكرامِ والتَّبجيلِ؛ فذُكِرَ المُتَّقونَ بلفظِ التَّبجيلِ، وهو أنَّهم يُجْمَعون إلى ربِّهم الَّذي غمَرَهم برحْمتِه، وخَصَّهم برضوانِه وكرامتِه، كما يفِدُ الوفَّادُ على المُلوكِ، مُنتظرينَ للكرامةِ عندَهم.[ نظم الدرر للبقاعي]
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفْدًا﴾ أيْ: رُكْبانًا، وبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: هم رُكْبانٌ عَلى نَجائِبَ مِن نُورٍ مِن مَراكِبِ الدّارِ الآخِرَةِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: يُحْشَرُونَ رُكْبانًا عَلى صُوَرٍ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا في غايَةِ الحُسْنِ وطِيبِ الرّائِحَةِ.[أضواء البيان للشنقيطي]. ويُرْوى أنَّهُ يَرْكَبُ كُلٌّ مِنهم ما أحَبَّ مِن إبِلٍ أوْ خَيْلٍ أوْ سُفُنٍ تَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ.[روح المعاني للألوسي]
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عمر بن سليمان، حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد في هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قال: "أما واللهِ لا يُحشَرُ الوَفدُ على أرجُلِهم، ولكن يأتونَ بنُوقٍ لم ترَ الخلائقُ مثلَها، وعليها رِحالُ الذَّهَبِ، وأزِمَّتُها الزُّبَرجَدُ، فيَركبونَ عليها حتَّى يَضرِبوا بابَ الجنةِ". [حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم]
اللَّهُمَّ ارزقنا الجنة، واجعلنا من الوفد المكرمين الذين يُقدِمون عليك بوجوهٍ ناضرة وقلوبٍ مطمئنة.









