قضية الرزق من أهمِّ المسائل التي تشغل حيزًا كبيرًا من حياة الناس، خاصةً في ظل الغلاء والأزمات الاقتصادية التي تمر بها كثيرٌ من المجتمعات حاليا. وقد عالج القرآن الكريم هذه المسألة معالجة ترسخ في القلب التوكل على الله، وتنفي عنه القلق والتعلُّقَ بغيره.
ومن الآيات الجامعة في هذا الباب، قولُ الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: 60].
تفسير الآية:
يخبر الباري جل ثناؤه في هذه الآية أنه "قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم وعاجزهم، فكم ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ في الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل.
﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ولا تدخره، بل لم تزل، لا شيء معها من الرزق، ولا يزال اللّه يسخر لها الرزق، في كل وقت بوقته.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ فكلكم عيال اللّه، القائمِ برزقكم، كما قام بخلقكم وتدبيركم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فلا يخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [تفسير السعدي]
ويُروى في سبب نزول الآية، "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ وَقَدْ آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ: "هَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ"، فَقَالُوا: كَيْفَ نَخْرُجُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لَنَا بِهَا دَارٌ وَلَا مَالٌ، فَمَنْ يُطْعِمُنَا بِهَا وَيَسْقِينَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ} ذَاتِ حَاجَةٍ إِلَى غِذَاءٍ، {لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أَيْ: لَا تَرْفَعُ رِزْقَهَا مَعَهَا وَلَا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ مِثْلَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، {اللَّهُ، يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} حَيْثُ كُنْتُمْ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} السَّمِيعُ لِأَقْوَالِكُمْ: لَا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ بِالْمَدِينَةِ، الْعَلِيمُ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ". [تفسير البغوي].
فالله عز وجل في هذه الآية الكريمة يرشدنا إلى أدبٍ من أهَمُّ الآدابِ التي يَنبَغي للمُسلمِ أن يَتَحَلَّى بها في طَلَبِه للرِّزقِ، وسَعيِه في أُمورِ مَعاشِه، وهو اليقين بالله والثقة فيما عنده سبحانه، والتَّوكُّلُ عليه.
لا تقلق .. إذا أُغلق باب!
فالآية تحمل رسالةً مهمةً لكلِّ مسلم؛ وهي: لا تحمل همَّ الرزق؛ فإن الله قد كفاك إياه. فإذا علمتَ ذلك وَقَرَ في قلبك أن الله عز وجل هو وحدَه الرزاق؛ فلم يتعلق قلبُك بصاحبِ عملٍ، ولا بشركةٍ أو مؤسَّسةٍ، أو بجهةٍ تعمل لديها؛ فكل هذا زائلٌ وقد يتحوّل وينقلب حالُه بين لحظةٍ وأخرى، فمن تعلق بها لن يهنأ بسكينة ولا طمأنينة، بل سيعيش دائمَ القلق والاضطراب والخوف، بخلافِ مَن تعلَّق قلبُه بالله الرزاق فهو في حالٍ من الطمأنينة والسكينة والثقة بأنَّ الله هو القائمُ برزقه؛ فإذا أُغلق في وجهه بابٌ، فإنه ينتظر انفراجَ أبوابٍ وأبوابٍ.
لكن المتأمل يجد أن لدى كثيرٍ من المسلمين خللاً في التوكل على الله في قضية الرزق. وأنت إذا وعَيْتَ قولَ النبي ﷺ:
«لو أنَّكم توَكَّلتم على اللهِ حقَّ توَكُّلِهِ ، لرزقَكم كما يرزقُ الطَّيرَ ، تغدو خماصًا ، وتروحُ بطانًا» [صحيح ابن ماجه (3377)]. (خِماصًا = ضامِرةَ البُطونِ مِنَ الجوعِ. وبِطانًا = مُمتَلِئةَ البُطونِ)
فستجد أن الخلل يحصل من جانبيْن:
الأول: عدم التوكل على الله "حقَّ التوكل"، و"حق توكله"؛ يعني: لو اعتمدتم بالله اعتمادًا تامًا، وعلمتم أن الله لا يُخلف وعده فيما قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، لوصل إليكم رزقكم من غير حرفةٍ، وسعي منكم. [المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 309)].
الثاني: الفهم الخاطئ للتوكل بما يؤدي بصاحبه إلى ترك السعي والأخذ بالأسباب؛ ولهذا قال الإمام أحمد:
"وليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق؛ لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق". [شعب الإيمان (2/ 405)].
ورسالة أخيرة .. الرزقُ لا يُقاس فقط بالمال، بل يشمل الصحة، السكينة، والرضا، وراحة البال، والزوجة الصالحة، والولد الصالح …
فنسأل الله الكريم أن يرزقنا رزقًا حلالاً طيبًا واسعًا مُباركًا فيه، وألا يعلِّق قلوبنا في أرزاقنا بأحدٍ سواه …
🔁 شارك المقال مع مَن يمرّ بضيق… لعله يكون سببًا في تغيير حياته…









