قال الله -تعالى- (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) [القلم:17]
بَلَوْنَاهُمْ: أي: امتَحَنَّاهم واختَبَرْناهم، والبلاءُ: الاختبارُ والامتحانُ (مقاييس اللغة لابن فارس). والمعنى: إنَّا امتحَنَّا أهلَ مَكَّةَ كما امتحَنَّا أصحابَ البُستانِ (تفسير ابن عاشور).
ما النعم التي أعطاها الله –تعالى- لأهل مكة؟
والمرادُ أنَّ اللهَ –تعالى- أنعَمَ على أهلِ مكَّةَ كما أنعَمَ على أصحابِ الجنَّةِ بجَنَّتِهم، ثمَّ اختَلَفوا في النِّعَمِ الَّتي أُعطِيَها أهلُ مكَّةَ.
فقيل: هي نبُوَّةُ مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-.(تفسير ابن كثير)
وقيل: هي الأموالُ. والمعنى: أعطَيْناهم أموالًا ليَشكُروا لا لِيَبطَروا، فلمَّا بَطِروا وعادَوا محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ابتَلَيْناهم بالجُوعِ والقَحْطِ كما بَلَونا أهلَ الجنَّةِ. قال السعدي في تفسيره: "إنَّا بَلَونا هؤلاء المكَذِّبينَ بالخَيرِ وأمهَلْناهم، وأمدَدْناهم بما شِئْنا مِن مالٍ ووَلَدٍ، وطولِ عُمُرٍ، ونحوِ ذلك ممَّا يُوافِقُ أهواءَهم، لا لكرامتِهم علينا، بل رُبَّما يكونُ استدراجًا لهم مِن حيثُ لا يَشعُرونَ؛ فاغتِرارُهم بذلك نظيرُ اغتِرارِ أصحابِ الجنَّةِ". وذكَر ابنُ عاشور "أنَّ البلوى هنا بالخيرِ، وأنَّ اللهَ أمدَّ أهلَ مكَّةَ بنعمةِ الأمنِ، والرِّزقِ الذي يأتيهم مِن كلِّ جهةٍ".
وقيل: المرادُ: إنَّا ابتَلَيْنا أهلَ مكَّةَ بالجُوعِ كما ابتَلَيْنا أصحابَ الجنَّةِ حينَ هلَكَت جَنَّتُهم. قال ابنُ عطية في تفسيره: "السِّنُونَ السَّبْعُ التي أصابت قُرَيشًا هي بمثابةِ ما أصاب أولئك في جنَّتِهم".
من هم أصحاب الجنة؟
فِي أَكثر التفاسير أَن هَذَا رجل شيخ بِالْيمن كَانَ لَهُ بنُون، وَله بُسْتَان يتَصَدَّق مِنْهُ على الْمَسَاكِين، وَينْفق مِنْهُ على نَفسه وَأَوْلَاده. وَيُقَال: كَانَ يتَصَدَّق بِالثُّلثِ، وَينْفق على نَفسه وَأَوْلَاده الثُّلُث، وَيرد الثُّلُث فِي عمَارَة الْجنَّة، فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخ قَالَ بنوه: الْعِيَال كثير، والدخل قَلِيل وَلَا يَفِي بِإِعْطَاء الْمَسَاكِين، فتوافقوا على أَن يذهبوا إِلَى الْبُسْتَان حِين يُصْبِحُونَ على سدفة من اللَّيْل، فيصرموا ويقطعوا قبل أَن يعلم الْمَسَاكِين.
وَكَانَ الْمَسَاكِين قد اعتادوا الْحُضُور عِنْد الْجذاذ والصرام؛ فحين اتَّفقُوا على ذَلِك أرسل الله –تَعَالَى- نَارا من السَّمَاء فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَاحْتَرَقَ الْبُسْتَان وَالْأَشْجَار(تفسير السمعاني).
وقال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين، فأقسموا لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً.( تفسير مكّي)
لماذا اختار أهل هذه الجنة؟
وقال البِقاعي: "أَصْحَابَ الْجَنَّةِ عرَّفَها؛ لأنَّها كانت شهيرةً عِندَهم...كان صاحِبُه يُنادي الفُقَراءَ وقْتَ الصِّرامِ، ويَترُكُ لهم ما أخطَأَ المِنجَلَ [ما يُحْصَدُ به]، أو ألقَتْه الرِّيحُ، أو بَعُدَ عن البِساطِ الَّذي يُبسَطُ تحت النَّخلةِ، فلمَّا مات شَحَّ بنوه بذلك، فحَلَفوا على أن يَجُذُّوها قبْلَ الشَّمسِ؛ حتَّى لا يأتيَ الفُقَراءُ إلَّا بعْدَ فَراغِهم" (نظم الدرر).
من الفوائد التربوية:
1-في هذه الآيات بَيانُ حالِ البُخَلاءِ وما يُعاقَبونَ به في الدُّنيا قبْلَ الآخرةِ مِن تَلَفِ الأموالِ؛ إمَّا إغراقًا وإمَّا إحراقًا، وإمَّا نهبًا وإمَّا مصادَرةً، وإمَّا في شَهواتِ الغَيِّ، وإمَّا في غيرِ ذلك ممَّا يُعاقَبُ به البُخلاءُ الَّذين يَمنعونَ الحَقَّ. (مجموع الفتاوى لابن تيمية)
2-دلَّت الايات على أنَّ المقاصِدَ والنِّيَّاتِ مُعتبَرةٌ في التَّصَرُّفِ والعاداتِ، كما هي مُعتبَرةٌ في القُرُباتِ والعِباداتِ، فتَجْعَلُ الفِعلَ حلالًا أو حَرامًا، وصَحيحًا أو فاسِدًا، وصَحيحًا مِن وجهٍ، فاسدًا مِن وَجهٍ، كما أنَّ القَصدَ والنِّيَّةَ في العباداتِ تَجْعَلُها كذلك، ومِن ذلك: أنَّ جَدَادَ النَّخلِ عَمَلٌ مُباحٌ أيَّ وقتٍ شاء صاحِبُه، لكنْ لَمَّا قَصَد به أصحابُه في اللَّيلِ حِرمانَ الفُقَراءِ عاقبَهم اللهُ تعالى بإهلاكِه. (إغاثة اللهفان لابن القيم)
3- في هذه الآيات عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله –تعالى-، أو حقوق عباده. (تفسير ابن القيم)









