قراءةُ القرآن.. آدابٌ نحتاج إليها في رمضان!📖🌙

قراءةُ القرآن.. آدابٌ نحتاج إليها في رمضان!📖🌙
2025/03/10

مِن أعظم القُربات والأعمال الصالحة في شهر رمضان: قراءةُ القرآن؛ لأنه الشهر الذي أُنزل فيه هذا الكتابُ العزيز؛ قال الله جل ثناؤه: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَـٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة ١٨٥].

وكان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مزيدُ عنايةٍ ومدارسةٍ للقرآن في ليالي رمضان؛ كما صحَّ ذلك في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" [متفق عليه].

ولهذا وجدنا عنايةً كبيرةً من أهل العلم والعُبَّاد والصالحين بتلاوة القرآن في رمضان، حتى إنهم كانوا يتركون مجالس العلم ويُقبلون على تلاوة القرآن في هذا الشهر الفضيل:

  • فقد كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

  • وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف.

  • وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.

فلا بدَّ للمسلم مِن أن يكون له احتفاءٌ خاصٌّ وعنايةٌ واهتمامٌ بتلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان، وينبغي عليه في سياق هذا الاهتمام أن يحرص على تعلُّم آداب تلاوة القرآن؛ فهي تزيد الخشوع وتساعد على التدبر والفهم الصحيح لكلام الله، وبها يحصّلَ أعظم الأجر من وراء تلاوته، وينتفع بها غاية الانتفاع.

وفيما يلي جملة من هذه الآداب التي ينبغي مراعاتها عند تلاوة القرآن، خصوصًا في شهر رمضان:

1- الإخلاص والبُعد عن الرياء:

احرص على إخلاص نيتك لله تعالى وأنْ تبتغي بتلاوتك وجهَ الله تبارك وتعالى؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ، فَإِذَا فِيهِ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، قَالَ: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، وَابْتَغُوا بِهِ اللهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُقِيمُونَهُ ‌إِقَامَةَ ‌الْقِدْحِ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ" [رواه أحمد (14855)، وهو صحيح].

ومن الأحاديث التي تثير الوجل والخوف في قلب قارئ القرآن، حديثُ الثلاثة الذين هم أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللهَ تبارك وتعالى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ، قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ» [رواه الترمذي (2382)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (22)].

فتأمل كيف أورده الرياءُ وطلب المدح من الناس موارد الهلكة في النار عياذا بالله!

 

2- الطهارة

 قال الإمام النووي -رحمه الله-: «يستحب أن يقرأ وهو على طهارة فإن قرأ محدثا [يعني الحدث الأصغر] جاز بإجماع المسلمين… فإن لم يجد الماء تيمم. والمستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر حكمها حكم المحدث. وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن سواء كان آية أو أقل منها» [«التبيان في آداب حملة القرآن» (ص73)].

وقراءة القرآن على طهارة هي الأكمل والأفضل على كل حال. وهذا كله في شأن القراءة دون مس المصحف، أما مسُّ القرآن للمُحدِث بلا حائل فلا يجوز في مذهب جمهور الفقهاء.

 

3- نظافة المكان

قال النووي: «ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعةٌ من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة ومحصِّلا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف؛ فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد الاعتكافُ سواء أكثر في جلوسه أو أقل» [«التبيان في آداب حملة القرآن» (ص77)]

 

4- استقبال القبلة

واستدلوا بحديث: "خير المجالس ما استُقبل به القبلة" [رواه الطبراني في المعجم الكبير: 766، بلفظ: (أكرم)]، لكن هذا الحديث ضعيف، حيث ضعّفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب(1803)، ومع ذلك فإنه إذا استقبل القبلة يكون أحسن.

 

5- الجلوس بسكينة ووقار:

قال النوويُّ: "ويجلس مُتخشّعا بسكينة ووقار، مُطرِقا رأسَه ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي مُعلّمه فهذا هو الأكمل ولو قرأ قائما أو مضطجعا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكن دون الأول" [«التبيان في آداب حملة القرآن» (ص80)].

 

6- التسوُّك

فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رضي الله عنه، قَالَ: "إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ، فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ" [الألباني في سنن بن ماجه: صحيح].

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَسَوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ فَتَسَمَّعَ لِقِرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ، فَطَهِّرُوا ‌أَفْوَاهَكُمْ ‌لِلْقُرْآنِ" [رواه البزار (603)، وانظر "الصَّحِيحَة" تحت حديث: 1213، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 215].

 

7- الاستعاذة والبسملة

- البدء بالاستعاذة: وهو مستحب، كما أمر الله: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ ٱلرَّجِیمِ﴾ [النحل ٩٨]. وصيغته: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". ولو قال: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم" فلا بأس.

- البسملة: تُقال في أول كل سورة إلا سورةَ التوبة (براءة)، لأنها نزلت بالبراءة من الشرك، ونزلت بالسيف للمشركين والمنافقين، والبسملة أمان، وهم لا أمان لهم. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البسملة أمان، وبراءة ( سورة التوبة ) نزلت بالسيف؛ فلذلك لم تبدأ بالأمان.[التسهيل لعلوم التنزيل - ابن جُزَيّ]

 

8- ترتيل القرآن:

قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل ٤]. والترتيل هو القراءة بتمهُّلٍ وتأنٍّ، لإعطاء فرصة للقلب والعقل للتدبر.

ويُنهَى عن الإفراط في الإسراع ويسمى "الهَذْرَمَة". وقد صح أن رجلاً قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّا الشعر؟ إن أقواما يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ ‌تَرَاقِيَهُمْ. وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ، نَفَعَ. [البخاري (775)، ومسلم (822)]

 

9- تحسين الصوت بالقراءة

فقد صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ‌لَمْ ‌يَتَغَنَّ ‌بِالْقُرْآنِ». وَزَادَ غَيْرُهُ: «يَجْهَرُ بِهِ». [رواه البخاري (7527)].

والتغني بالقرآن، قال الخطابي في "معالم السنن" 2/ 138: هذا يُتأول على وجوه: أحدُها: تحسين الصوت، والوجه الثاني: الاستغناء بالقرآن عن غيره، وإليه ذهب سفيان بن عيينة، ويقال: تَغنَّى الرجل، بمعنى استغنى. وقد ردَّ الإمام الشافعي تأويل التغني بالاستغناء وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت.

وتحسين الصوت لا يعني التكلف والمبالغة في الإتيان بأحكام التجويد وإقامة الحروف، بل التلاوة بخشوع وتدبُّر.

 

10- الخشوع والتدبر

تُسنُّ القراءة بالتدبر والتفهم، فهو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب؛ قال الله جل ثناؤه: ﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾ [محمد ٢٤]، وقال أيضًا: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ [ص ٢٩].

قال السعدي، رحمه الله، في تفسير آية سورة محمد: "أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرِضون لكتاب الله، ويتأملونه حقّ التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل".["تفسير السعدي" (788)].

ولكن كيف نحصّل التدبُّر أثناء التلاوة؟ .. يقول السيوطي رحمه الله: "وصِفَةُ ذلك (القراءة بتدبر وتفهم): أن يشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية ، ويتأمل الأوامر والنواهي ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصَّر عنه فيما مضى، اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة، استبشر وسأل، أو عذابٍ، أشفق وتعوذ ، أو تنزيهٍ نزَّه وعظَّم ، أو دعاءٍ تضرَّع وطلب "["الإتقان" (1/ 369)].

ويدخل في التدبر: استحبابُ ترديد الآية الواحدة تدبرًا لمعانيها وتأثرًا بها، وذلك في صلاة النافلة دون الفريضة؛ فقد صح ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَرَأَ ‌بِآيَةٍ ‌حَتَّى ‌أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ، تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا! قَالَ: "إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا"[رواه أحمد (21328)، وقال محققو المسند: إسناده حسن].

وكان تَمِيمُ بنُ أوسٍ الدَّارِيّ، رضي الله عنه، كثيرَ التهجد، وقام ليلةً بآيةٍ حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُوا۟ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ﴾ [الجاثية ٢١].

وورد أيضاً عن أسماء رضي الله عنها: أنها قرأتْ قول الله تعالى: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ [الطور ٢٧] فوقفتْ رضي الله عنها عندها، فجعلتْ تعيدها وتدعو، قال الراوي: فطال عليّ ذلك فذهبتُ إلى السوق، فقضيتُ حاجتي، ثم رجعتُ وهي تعيدها وتدعو رضي الله عنها.

وردد ابنُ مسعود رضي الله عنه: ﴿رَّبِّ زِدۡنِی عِلۡمࣰا﴾ [طه ١١٤].  وردد سعيد بن جبير: ﴿وَٱتَّقُوا۟ یَوۡمࣰا تُرۡجَعُونَ فِیهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٨١]. وردد أيضا ﴿ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِٱلۡكِتَـٰبِ وَبِمَاۤ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ * إِذِ ٱلۡأَغۡلَـٰلُ فِیۤ أَعۡنَـٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَـٰسِلُ یُسۡحَبُونَ﴾ [غافر ٧٠، ٧١﴾ وردد أيضًا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِیمِ﴾ [الانفطار ٦]. وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى:  ﴿لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلࣱ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلࣱۚ ذَ ٰ⁠لِكَ یُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ یَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٦] ردَّدها إلى السحر.

فهذه نماذج من التدبر العملي للقرآن؛ فالتكرار لآيات القرآن ليس تكراراً لطلب الأجر بقراءة الأحرف -وإن كان يحصّل ذلك بفضل الله-، إنما هو لطلب ما فيها من المعاني، وطلب ما فيها من الخير.

 

11- البكاء عند قراءة القرآن

والبكاء عند قراءة القرآن، إذا كان عن صدق وتأثر حقيقي؛ فهو دليل خشوع، قال الله عز وجل:  ﴿وَیَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ یَبۡكُونَ وَیَزِیدُهُمۡ خُشُوعࣰا ۩﴾ [الإسراء ١٠٩].

وكان البكاءُ يعرض للنبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوة القرآن أو سماعه. فعن مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشخير عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ ‌كَأَزِيزِ ‌الْمِرْجَلِ»، يَعْنِي: يَبْكِي. [رواه النسائي: 1214، وأحمد: 16369، وهو في مختصر الشمائل المحمدية، للألباني: 276].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (اقْرَأْ عَلَيَّ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقرأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (نَعَمْ). فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}. قَالَ: (حَسْبُكَ الْآنَ). فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا ‌عَيْنَاهُ ‌تَذْرِفَانِ. [متفق عليه].

وثبت كذلك عن جماعةٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يبكون عند قراءة القرآن الكريم. وقصة أبي بكر في مرض وفاة النبي ﷺ معروفة، حيث قالت عائشة: "إنه رجلٌ رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء" [رواه البخاري: 682].

وسُمع نشيج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وراء الصفوف، لما قرأ قوله تعالى في سورة يوسف: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف: 86] [صحيح البخاري: 1/183] حتى سالت دموعه على ترقوته.

هذه كانت جملة من أهم الآداب التي ينبغي للمسلم التحلي بها عند تلاوة القرآن خصوصًا في هذا الشهر الفضيل؛ لأنها تزيد الخشوع وتعين على التدبر، نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار بتدبر وخشوع.


مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة