آية كريمة في كتاب الله تعالى ترسم لنا منهجًا ربانيًا رفيعًا لحماية حرمات البيوت وصون الأعراض، وتضع للمؤمنين آدابًا رفيعة في الاستئذان والسلام قبل الدخول بهدف تحقيق الطمأنينة الاجتماعية، وإشاعة روح الاحترام بين الناس.
قال الله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ ذَ ٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:27]
دلالة النداء على المؤمنين:
إن تصدير الحكم بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أهميته؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب، وأنه ينبغي للإنسان أن يتيقظ ويتفطن لما سيأتي، ويدل على أن هذا العمل من الإيمان، وأن مخالفته مما ينقص الإيمان، ويراد به أيضًا الإغراء والحث على التزام الحكم.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُم﴾ وهذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز، وقوله تعالى ﴿بُيُوتًا﴾ هذا عام يشمل كل بيت، يعني: لا تدخلوا أي بيت غير بيوتكم التي تملكونها إلا بعد أمرين وهما: الاستئذان والسلام.
مفاسد دخول البيوت بغير استئذان:
ومن الأدب الذي ذكرته الآية الاستئناس، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا﴾ وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرًا بذلك من فيه، وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم.
وإنما سمي الاستئذان استئناسًا؛ لأن به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة.
وهنا يرشد الباري عباده المؤمنين، ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم بغير استئذان، فإن في ذلك عدة مفاسد منها:
أولًا: يقع البصر على العورات التي داخل البيوت، فإن البيت للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده.
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: "اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النبيِّ ﷺ، ومع النبيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ به رَأْسَهُ، فَقالَ: لو أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ" [رواه البخاري:6241]
ثانيًا: أن ذلك يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة أو غيرها؛ لأن الدخول خفية، يدل على الشر.
صفة الاستئذان على الوجه الشرعي:
يقول تعالى: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ويتحقق ذلك بأمور منها:
أولًا، الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ولا يزد على الثلاث، وهذا ثابت عن النبي ﷺ.
فعن عمرو بن سعيد الثقفي، (أن رجلاً استأذن على النبيّ ﷺ، فقال: ألج أو أنلج؟ فقال النبيّ ﷺ لأمة له يقال لها روضة: قُومِي إلى هَذَا فَكَلِّمِيهِ، فإنَّهُ لا يُحسِنُ يَسْتأذِنُ، فَقُولي لَهُ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُل؟ فسمعها الرجل، فقالها، فقال:اُدْخُل) [أخرجه أبو داود (5177)، وأحمد (23176)، والنسائي في السنن الكبرى (10148) وصححه الألباني].
وعن أبِي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال: (كُنْتُ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ إذْ جاءَ أبُو مُوسى كَأنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلى عُمَرَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، قالَ: ما مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ. فَقالَ: واللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً. أمِنكم أحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: واللَّهِ لا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أصْغَرَ القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأخْبَرْتُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذَلِكَ) [رواه البخاري:6245].
ثانيًا: أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب، عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ، لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ:السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) [حسن إسناده شعيب الأرناؤوط].
ثالثًا: إذا سئل عن اسمه أجاب، فعن جابر رضي الله عنه قال: (أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَين كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: "مَنْ ذَا"؟ قُلْتُ: أَنَا. قَالَ: "أَنَا، أَنَا" كَأَنَّهُ كَرِهَهُ) [رواه البخاري(6250)].
وإنما كره ذلك؛ لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بـ"أنا"، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
الاستئذان أمان للنفس والغير:
يقول سبحانه وتعالى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاستئذان المذكور ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لاشتماله على عدة مصالح، وهو من مكارم الأخلاق الواجبة.
والمعنى: أن استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، خير لكم، لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجمون؟ على ما يسوءكم أو يسرّكم؟
وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم بذلك أيضًا حقّ الله عليكم في الاستئذان والسلام.
الجزاء من جنس العمل:
ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، فيفعل ما يحب أن يفعل معه خوفًا من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل.
فلنتذكر معًا:
1-لايجوز دخول الإنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام.
2-الاستئذان ثلاث مرات فقط، فإن لم يؤذن له، فليرجع.
3-المستأذن إذا قال له رب المنزل من أنت، يجب أن يفصح عن اسمه.
4-الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته، وبنيه وبناته البالغين.
دعوة للمناقشة وإبداء الرأي:
ما رأيك في أثر الاستئذان على حفظ الخصوصية في زمن الكاميرات والاتصالات الحديثة؟
..............
تفسير السعدي-تفسير الطبري- تفسير ابن كثير-تفسير ابن عثيمين- أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي- نظم الدرر للبقاعي.









