كانت بيعة الرضوان بيعة مباركة، تدل على صِدْق الصحابة وعلوُّ منزلتهم عند الله عز وجل، وقد مدح الله تعالى أهلها وأثنى عليهم فقال:
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) [الفتح:18]
قال السعدي:
أي: لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوا رسوله ﷺ تحت الشجرة الكائنة في أرض الحديبية، على أن يقاتلوا كفار قريش ولا يفروا.
وفي الآية دلالة على أن القرآن الكريم يشهد برضا الله تعالى عن الصحابة، وثنائه عليهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية.
السبب في بيعة الرضوان:
أن النبي ﷺ كان قد خرج بأصحابه رضي الله عنهم من المدينة إلى مكة يريدون العمرة، فمنعتهم قريش من دخول مكة، فبعث النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة برسالة يخبر بها أشراف قريش بأنه لم يأت إلا زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته.
وتأخر عثمان رضي الله عنه في الرجوع، فأشيع بين المسلمين أنه قد قتل في مكة حتى بلغ ذلك النبي ﷺ، فدعا الناس إلى البيعة، وسُمِّيَت هذه البيعة ببيعة الرضوان؛ لقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ).
ولكن الله سلَّم ولم يُقتل عثمان رضي الله عنه، وأرسلت قريش، فعقدت صلح الحديبية مع النبي ﷺ، وكان ذلك في السنة السادسة من الهجرة.
لماذا ذكر الله تعالى الشجرة في آية بيعة الرضوان؟
قال ابن عاشور في تفسيره:
وذكر تحت الشجرة لاستحضار تلك الصورة تنويهًا بالمكان؛ فإن لذكر مواضع الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع تصورًا، ولما في تلك الحوادث من ذكرى، مثل مواقع الحروب والحوادث، ومواقع المصائب وأيامها.
كيف كانت بيعة النبي ﷺ للناس؟
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال:
(كُنَّا يوم الحُدَيبيَةِ ألفًا وأربَعَمِئَةٍ، فبايَعْناه وعُمَرُ آخِذٌ بيَدِه تحتَ الشَّجَرةِ، وهي سَمُرةٌ [شجرة الطَّلْحِ]،
وقال:
بايَعْناه على ألَّا نَفِرَّ، ولم نبايِعْه على المَوتِ). [رواه مسلم ( (1856]
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه، قال:
(لقد رأيتُني يومَ الشَّجَرةِ، والنَّبيُّ ﷺ يُبايِعُ النَّاسَ، وأنا رافِعٌ غُصْنًا مِن أغصانِها عن رأسِه، ونحنُ أربَعَ عَشْرةَ مِئةً.
قال:
لمْ نُبايِعْه على الموتِ، ولكِنْ بايَعْناه على ألَّا نَفِرَّ). [رواه مسلم (1858).]
ولم يبايعوه على الموت، ولكن بايعوه على ألا يفروا، والمعنى: الصبر حتى يظفروا بالعدو أو يقتلوا دونه، أي: يصبروا وإن آل بهم ذلك إلى الموت، لا أن الموت مقصود في نفسه.
بشرى رائعة لأصحاب بيعة الرضوان:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال:
أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة:
(لا يَدخُلُ النَّارَ -إن شاءَ اللهُ- مِن أصحابِ الشَّجَرةِ أحَدُ الَّذين بايَعوا تَحْتَها.
قالت:
بلى، يا رَسولَ اللهِ!
فانتَهَرَها.
فقالت حَفصةُ:
(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: 71] !
فقال النَّبيُّ ﷺ:
قد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72]).[رواه مسلم (2496)]
وفي الحديثِ:
فضل ومنقبة لأصحاب الشَّجرة أهل بيعة الرِّضوان رضي الله عنهم.
قال النووي في المنهاج:
معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا.. وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك.
وقال القرطبي في المُفْهِم:
واستثناؤه ﷺ هنا بقوله (إن شاء الله) استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله.
وأخيرًا
فإن بيعة الرضوان كانت عهد وفاءٍ لا يُنسى، وشهادة من السماء بصدق الإيمان وثبات الصحابة فنالوا بها رضوان الله في آية تُتلى إلى يوم القيامة، وبُشروا بالجنة جزاء وفائهم.
تحدي التدبر:
في أي سورة ذكر الله تعالى بيعة النساء، وما الفرق بينها وبين بيعة الرضوان؟









