كان شعبان معروفًا في القرون الفاضلة بأنه «شهر القراء»، كما ورد ذلك عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وهما من التابعين، ماتَا سنة 122 هـ.
وكانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المُلاَئِيُّ (عالمٌ حافظٌ عابدٌ زاهدٌ، تُوفِّيَ عام ١٤٤ هـ على الأرجح) إذا دخلَ شعبانُ، أغلقَ حانوتَه وتفرغَ لقراءةِ القرآن.
ورُوي عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- أنه قال: "كان المسلمون إذا دخلَ شعبانُ، أكبوا على المصاحفِ فقرؤوها، وأخرجوا زكاةَ أموالهم تقويةً للضعيفِ والمسكينِ على صيامِ رمضان". [فتح الباري 13/ 310 و311]
وكل هذا يُرشدُنا إلى أن الصالحين من العباد والزهاد كان لهم مزيدُ عنايةٍ بقراءة القرآن والتفرُّغِ لتلاوته ومراجعته في شهر شعبان، وكأنَّ ذلك من باب رياضة النَّفْسِ لتعتادَ الإقبالَ على تلاوته وتكثير ختماته في شهر رمضان، شهر القرآن.
وكأنَّهم أيضًا لمَّا عَلِمُوا ما وُصِفَ به شهرُ شعبان في حديث النبيِّ ﷺ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ»، أرادوا دَفْعَ هذه "الغفلةِ" عنهم، فأكثروا فيه من تلاوةِ القرآن مع الصيام، على غرار فعلهم في شهر رمضان.
وفي هذه الآثار فائدةٌ وتنبيهٌ مهمٌّ لحُفَّاظ القرآن وقُرائه في زمننا هذا للإكثار من مراجعته وتلاوته وضبطِ المُتفلِّتِ منه في شهر شعبان، تأهبًا لإتقان تلاوته وتدبُّر معانيه في رمضان، حتى إذا استُعملوا لإمامة المسلمين في التراويح والقيام كان ذلك أعونَ لهم وأدعى لخشوعهم واطمئنانهم في الصلاة.
فهلمُّوا إلى كتاب ربِّكم، أكثروا من تلاوته والترنُّم به في شعبان، واجعلوا شهرَكم "شهرَ القراء" حقًّا .. جاهدوا أنفسَكم حتى يطيبَ لكم الاستمتاعُ بعبادتكم وطاعتكم في رمضان.









