سرُّ الثباتِ في رمضان.. يبدأ من شعبان!

سرُّ الثباتِ في رمضان.. يبدأ من شعبان!
2025/02/06

من الأمور المشاهَدَة كلَّ عامٍ في رمضان أنك تجدُ إقبالاً شديدًا من المسلمين في أول الشهر على مختلف الطاعات، خاصة صلاة الجماعة والتراويح، ثم نجد هذا الإقبالَ يخفُتُ شيئًا فشيءا مع انقضاء أيام الشهر.. اللهم إلا ما يكون في العشر الأواخر حيث نرى زخمًا آخر طلبًا لليلة القَدْر.

لماذا؟

والسؤال البديهي هنا: لماذا يتكاسل الناسُ بعد هذه اليقظة المباغتة أول الشهر؟.. لماذا يتساقطون تباعًا حتى تصبحَ أيامُ رمضان عندهم كسائر أيام العام، رغم أن همتهم كانت عالية بادئَ الأمر، لكن لم تُسعفْهم قدرتُهم العملية على الثبات والاستمرار في الطاعات والعبادات؟

الجواب فيما نرى أنهم لم يستعدوا جيدًا لشهر رمضان، ولم يتزودوا الزادَ الذي يقوّيهم على الاجتهاد في العبادة وبذل أقصى ما في وُسعهم لجني الثمار في موسم من أجلِّ مواسم الخير التي تمر على المسلم في عامه.

ولنضرب لذلك مثلاً بلاعب الكرة الذي يجلس على مقاعد البدلاء، فأنت تراه إذا اقترب نزوله إلى أرض الملعب، ينتفض ويقوم بعمليات "إحماء" أو "تسخين" استعدادًا لخوض غمار المباراة، وهو بدون هذا الإحماء لن يدخل المباراة وهو في المستوى المطلوب وسيتطلب الأمر منه وقتًا للاندماج في اللعب بشكل جيد.

وهكذا الحال مع رمضان؛ فأنت تحتاج إلى هذا "الإحماء" لكي تستطيع أن تثبت على الطاعات في رمضان، وأن تستمر عليها حتى نهاية الشهر، بل وما بعد انقضاء الشهر أيضًا. فليس معقولاً أن تكون طوال العام لا تصلي من الليل شيئا، وربما تكون مفرِّطًا حتى في صلاة الوتر، ثم إذا دخل رمضان تريد أن تلتزم بصلاة إحدى عشرة ركعةً في التراويح، وربما أكثر من ذلك.

لن يطاوعك بدنُك المتكاسلُ عنها طوال العام، ولكن لو أخذتَ بتهيئة نفسك للتراويح من قبل رمضان بوقتٍ كافٍ، فألزمتَ نفسَك بصلاة ركعتين أو أربعٍ مع الوتر وحافظتَ على ذلك أسبوعًا أو أسبوعيْن، ثم زدت العددَ إلى ستٍّ أو ثمانٍ ستجدُ أنك دخلت رمضان ونفسُك أطوعُ لك على صلاة التراويح بل وطلب الزيادة والاجتهاد في الشهر الكريم.

ماذا كان يفعل حبيبيك صلى الله عليه وسلم؟

وفي هذا السياق، نستطيع أن نلحظ فعلَ النبي الكريم ﷺ مع الصيام في شعبان، كما تحكي أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما رأيتُه في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان" [متفق عليه]. وكما قال أسامةُ بنُ زيدٍ رضي الله عنهما للنبي ﷺ: "لم أرَكَ تصومُ شهراً من الشهور ما تصومُ من شعبان" [أخرجه النسائي وأبو داود، وحسَّنه الألبانيُّ في صَحِيح الْجَامِع: 3711 ، والصَّحِيحَة: 1898].

كما أن رسولَ الله ﷺ لم يكن يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان؛ فكان يصوم أكثرَ شعبان ويصله برمضان، كما قالت أم المؤمنين أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلاَّ شَعْبانَ وَرَمَضَانَ» [رواه الترمذي والنسائي، وصحَّحه الألباني].

فكان النبي ﷺ يكثر من الصيام جدًا في شعبان، وأخبر في حديث أسامة عن علة ذلك: "وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". لكن يمكن أن نلحظ أيضًا أن الإكثار من الصيام في شعبان، فيه ترويضٌ للنفس وتعويدٌ لها على العبادة حتى إذا دخل شهرُ رمضان كان أمر الصيام عليها سهلاً ميسورًا.

وقياسًا على الصيام في شعبان، نستطيع أن نقولَ الأمرَ نفسه في شأن قيام الليل وتلاوة القرآن (وهما مع الصيام، أظهرُ العبادات في رمضان)، لكنَّ النبي ﷺ لم يخصَّ شعبان بشيءٍ منها؛ لأنَّ حالَ النبي ﷺ مع القيام وتلاوة القرآن كان أكمل حالٍ على مدار العام.

فمع قيام الليل، خذ مثلاً حين سُئلت عائشةُ رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: "مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ طُولِهِنَّ وَحُسْنِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا".

حاله مع القرآن

وأما عن حاله ﷺ مع القرآن، فقد كان عليه الصلاة والسلام يُكثر من تلاوة القرآن بالليل والنهار، ويطيل الصلاةَ بالليل، حتى ربما قرأ في الركعة الواحدة البقرة وآل عمران والنساء، كما ورد في صحيح مسلم (722).

وما أجْمَلَ ما قال ابن رجب رحمه الله: "ولما كان شعبانُ كالمقدمة لرمضان؛ شُرع فيه ما يُشرعُ في رمضان من الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصلَ التأهبُ لتلقي رمضان وترتاضَ النفوسُ بذلك على طاعة الرحمن". [لطائف المعارف(ص: 135)].

نخلص من هذا إلى أن الإعداد الجيد لرمضان هو مفتاح الثبات على الطاعات طوال الشهر، فمن اعتاد العبادة قبل دخوله، كان أكثرَ قدرةً على الاستمرار والاجتهاد فيه. وكما كان النبي ﷺ يهيئ نفسَه بالصيام في شعبان، فإن المسلم بحاجة إلى ترويض نفسه على القيام والذكر وتلاوة القرآن قبل رمضان ليكون مستعدًا لحسن استقباله واستثماره.

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة