يكثر في رمضان من كلِّ عامٍ طرحُ هذا السؤال: أيهما أفضلُ: تكثير ختمات القرآن دون تدبُّر أو مع قليل تدبُّرٍ أم الاكتفاء بختمة واحدة ولكن بتدبُّر؟! .. وإنما يكثر السؤال عن هذه المسألة في رمضان اغتنامًا لشرف الزمان، وأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، كما قال اللهُ -جلَّ ثناؤه-: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَـٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة ١٨٥]. وباعتبار ما جاء في السُّنة من أن جبريل -عليه السلام- كان يلقى النبيَّ صلى الله عليه وسلم "فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ"[أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308)]. ففي هذا إشارةٌ إلى أن شهر رمضان محل عناية واهتمام بالقرآن وتلاوته ومدارسته وتدبُّره.
واختلف أهلُ العلم في هذه المسألة على قوليْن عرض لهما ابنُ القيم -رحمه الله-، بما حاصله:
القول الأول: وهو ما ذَهَبَ إليه ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَغَيْرُهُمَا من أَنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدَبُّرَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ سُرْعَةِ الْقِرَاءَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا. وَاحْتَجَّ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ، وَالْفِقْهُ فِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ وَحِفْظُهُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعَانِيهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: (نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ، فَاتَّخَذُوا تِلَاوَتَهُ عَمَلًا) وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمُ الْعَالِمُونَ بِهِ، وَالْعَامِلُونَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ أَقَامَ حُرُوفَهُ إِقَامَةَ السَّهْمِ. قَالُوا: وَهَذَا هَدْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا، وَقَامَ بِآيَةٍ حَتَّى الصَّبَاحِ.
القول الثاني: ما ما ذَهَبَ إليه أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله- من أن كَثْرَةَ الْقِرَاءَةِ أَفَضْلُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». [رَوَاهُ الترمذي (2910) وَصَحَّحَهُ]. قَالُوا: وَلِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَذَكَرُوا آثَارًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ فِي كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ.
وخلصَ ابنُ القيم إلى أن الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ وَالتَّدَبُّرِ أَجَلُّ وَأَرْفَعُ قَدَرًا، وَثَوَابَ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالثَّانِي: كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ أَعْتَقَ عَدَدًا مِنَ الْعَبِيدِ قِيمَتُهُمْ رَخِيصَةٌ.
ثم ساقَ ابنُ القيم عددًا من الآثار تنتصر للرأي الأول وهو القراءة بتدببُّر: منها ما ورد عَنْ قتادة قَالَ: «سَأَلْتُ أنسا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (كَانَ يَمُدُّ مَدًّا)» [صحيح البخاري (5045، 5046)].
ومنها ما رواه شعبةُ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ، وَرُبَّمَا قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ الَّذِي تَفْعَلُ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا وَلَا بُدَّ، فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُ أُذُنَيْكَ، وَيَعِيهَا قَلْبُكَ)
ومنها قول ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه: (لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ).[«زاد المعاد» (1/ 327 - 329) بتصرف].
وقد عرض الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني -رحمة الله عليه- لهذه المسألة أيضًا في فتح الباري(9/ 89) وخلص إلى رأيٍ قريبٍ من رأي ابن القيم -رحمه الله- حيث قال: "التَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ، وَمَنْ أَسْرَعَ كمن تصدق بعدة جَوَاهِر لَكِن قيمتهَا قِيمَةَ الْوَاحِدَةِ وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ".
وأورد الإمامُ أبو بكر الآجُرِّيُّ -رحمةُ الله عليه-، قولَ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: 106] قَالَ: "عَلَى تُؤَدَةٍ"، ثم عقب بقوله: "وَالْقَلِيلُ مِنَ الدَّرْسِ لِلْقُرْآنِ مَعَ الْفِكْرِ فِيهِ وَتَدَبُّرِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مِنَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ، وَلَا تَفَكُّرٍ فِيهِ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَالسُّنَّةُ وَقَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ".
ثم ساق بسنده عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ ، قَالَ: "لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ فِي لَيْلَةٍ فَأَتَدَبَّرَهَا وَأُرَتِّلَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ".
وأسند عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ قَالَ: سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، قِرَاءَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَرُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَجُلُوسُهُمَا ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: 106]» [أخلاق أهل القرآن(ص 169 و 170)]
والذي يطمئنُّ إليه القلبُ في هذه المسألة: هو ما نصح به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، رضي الله عنهما، حين سأله: يَا رَسُولَ اللهِ، فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ"، قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ". قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي عشر"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "لَا يَفْقَهُهُ مَنْ يَقْرَؤُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ". [مسند أحمد(6546) وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأصل الحديث في الصحيحين]
وللحديث رواياتٌ عديدةٌ في الصحيحين والسنن، وفي بعضها اختلافٌ في الحدِّ الذي وصل إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في كم يختم القرآن، فمنها ما هو في سبع، كما هي رواية البخاري (5054) وفيها: قال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك ". ومنها ما هو في خمس كما في رواية الترمذي والدارمي: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اختمه في خمسٍ" قلت: إني أطيق. قال: "لا". ومنها ما هو في ثلاثٍ كما في رواية البخاري (1978)، وفيها: قَالَ: إِني أطِيقُ أكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "في ثَلَاثٍ".
وفي روايات عديدة حرص النبيُّ صلى الله عليه وسلم على عدم الإذن في ختم القرآن في أقلَّ مِن ثلاثٍ، مؤكدًا أنه "لم يفقه مَنْ قرأ القرآنَ في أقلِ من ثلاثٍ"؛ «أي: ثلاثِ ليالٍ؛ لأنه إذ ذاك لم يتمكن من التدبُّر له والتفكُّر فيه بسبب العَجَلة والمَلالة.» [شرح المصابيح لابن الملك (3/ 56)].
ولعلَّ أعدلَ الأقوالِ في هذه المسألة مع استصحاب الوقت الذي قدَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمروٍ، رضي الله عنهما، هو قول النَّوَوِيِّ -رحمةُ الله عليه-: "وَالِاخْتِيَارُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ وَتَدْقِيقِ الْفِكْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَا يَخْتَلُّ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَاسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي، وَكَذَا مَنْ كَانَ لَهُ شُغْلٌ بِالْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى لَهُ الِاسْتِكْثَارُ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى الْمَلَلِ وَلَا يَقْرَؤُهُ هَذْرَمَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» [فتح الباري لابن حجر (9/ 97)].
فاللهم اجعلنا مِن أهل القرآن غيرِ الغالين فيه ولا الجافين عنه، وارزقنا حُسْنَ فهمِه وتدبُّرِ معانيه، والعملَ بأوامره ونواهيه، على الوجه الذي يرضيك عنا.









