في زمنٍ تكثر فيه الفتنُ والاضطرابات، ويشتد فيه ضجيج الحياة والانشغال بالدنيا، يبقى القرآن الكريم هو النور الذي لا يخبو، والسكينة والطمأنينة التي تنساب في قلوب المؤمنين ثباتًا عند الفتن والمُلمّات. إنه كتاب الله الخالد، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، مَن تمسّك به هُدي، ومَن أعرض عنه ضلّ وشقي.
وشتَّانَ بين مَن يعيش مع القرآن صباحَ مساءَ، تلاوةً وتدبُّرًا وتعلُّقًا بآياته، وبين مَن هجَره ونسِيه وأعرض عنه.
وفي هذه الفائدة، نأخذك في مقارنة صريحة ومؤثرة بين حال صاحب القرآن، وحال هاجر القرآن، لترى بنفسك أيّ الطريقين تسلك، وأي القلبين تختار لنفسك؟!
اقرأ وارتقِ:
يقول النبيُّ ﷺ: «يُقالُ لصاحِبِ القرآنِ: اقرأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها» [صحيح الترمذي (2914)].
فهذه مَزِيَّةٌ لصاحب القرآن، وهو القارِئُ للقرآنِ، العامِلُ بما فيه، الملازمُ له تِلاوةً وحِفظًا، فهذا الارتقاء له خاصةً، ومع كلِّ آية يقرؤها يزدادًا ارتقاءً في درجات الجنة ..
وأما هاجرُ القرآن فأنى له هذا الفضل وذلك الارتقاء؟!
بيتُ هاجر القرآن:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن أصفر البيوت الذي أصفر من كتاب الله» [مصنف ابن أبي شيبة (30024)].
وقال أيضًا: «إنَّ هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئًا فليفعل، فإن أصفر البيوت من الخير الذي ليس فيه من كتاب الله شيءٌ، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرج من البيت الذي تسمع فيه سورة البقرة». [حلية الأولياء: (1/ 130)].
وقوله: "أصفر البيوت" أي: أقلُّ البيوت خيرًا وبركةً البيتُ الذي خلا من كتاب الله أن يتلى فيه، وهذا ممحقة لبركة البيت مجلبة للشياطين إليه.
فهذا حال بيت هاجر القرآن، بيت خرب لا خير ولا بركة فيه.
واستمع لأبي هريرة رضي الله عنه وهو يعقد هذه المقارنة بين بيت صاحب القرآن وبيت هاجر القرآن، حيث يقول: «إن البيت ليتسع على أهله وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن، وإن البيت ليضيق على أهله وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين، ويقل خيره أن لا يُقرأ فيه القرآن» [سنن الدارمي (3309)].
فاجعل بيتك عامرًا بكتاب الله تلاوةً وسماعًا وحفظًا وتعلمًا تحظَ بهذا الخير العميم، ولا تكن له هاجرًا فتجلب الخراب لبيتك وتمحق البركة منه!
حالُ صاحب القرآن:
ولصاحب القرآن حالٌ تجعله أقربَ إلى الله تبارك وتعالى عن غيره من الناس، فما بالك بغيرهم من الهاجرين لكتاب الله؛ إنَّ بينهما لبَوْنًا شاسعًا؛ وتأمل معي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين يقول: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناسُ نائمون، وبنهاره إذا الناسُ مُفطرون، وبحزنه إذا الناس فرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلُطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن: أن يكون باكيًا محزونًا حليمًا حكيمًا سِكّيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن: أن يكون جافيًا، ولا غافلاً، ولا سخّابًا، ولا صيّاحًا، ولا حديدًا". [صفة الصفوة 1/ 188].
وعلى الضد من ذلك كله ستجد هاجر القرآن: نائمًا مع النائمين، مفطرا مع المفطرين، منخرطًا مع الناس في غفلتهم ولهوهم وانشغالهم بالدنيا …
شَكْوَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَجْرِ الْقُرْآنِ
من أشدِّ الأمور ترهيبًا من هجر القرآن ما سطره الكتاب الحكيم من شكوى النبي الكريم ﷺ مِنْ هَجْرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ حيث يقول الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَـٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِی ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا﴾ [الفرقان ٣٠].
فإنه «في شكوى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من هجر القرآن دليلٌ على أن ذلك من أصعب الأمور عليه وأبغضها لديه، وفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابةً لشكوى نبيه» [«آثار ابن باديس» (1/ 407)].
فاحذر أيها المبارك من كل هجر للقرآن (هجر تلاوته، أو العملِ به، أو التحاكمِ إليه، أو تدبُّرِه، أو الاستشفاءِ به).. واجعل لك وِردًا خاصًّا تحافظ عليه مهما كانت مشاغلك .. وليكن «مصحف المدينة» خير رفيقٍ لك على طريق مصاحبة القرآن.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يبعدنا عن هجره قولًا وفعلاً.
✨هل تشعر ببركة القرآن في بيتك وحياتك؟ شاركنا تجربتك الشخصية، وانشر المقال لتذكير أحبابك بفضل القرآن! 💖🔗









