كَانَ رسولُ الله ﷺ أَسْخَى خَلْقِ اللَّهِ وَأَكْثَرَهُمْ جُودًا وَسَمَاحَةً، يفيض كرمًا وعطاءً، و"ما سُئِلَ علَى الإسْلَامِ شيئًا إلَّا أَعْطَاهُ"؛ فكان ﷺ يجود ويعطي عطاءً يُدهِشُ السائلَ ويتركه مُتحيرًا، كما حدث مع ذلك الرجل الذي "أعْطَاهُ غَنَمًا بيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ، فَقالَ: "يا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لا يَخْشَى الفَاقَةَ"[مسلم (2312)].
وثبت في الصحيحيْن عن عبد الله بن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ". [متفق عليه].
الجود هو سعة العطاء وكثرته، والله تعالى مُتّصفٌ بالجود، وهو كثرة الفضل والإحسان، ومنها اشتُق اسمٌ من أسمائه الحسنى وهو (الجواد)، وقد وصف النبيُّ ﷺ ربَّه سبحانه وتعالى بذلك في الحديث: «إنَّ اللهَ تعالى جَوَادٌ يحبُّ الجُودَ، و يحبُّ مَعالِي الأَخلاقِ، ويكرَهُ سَفسافَها» [أخرجه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1744)].
وقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أجود الناس" أي: أكثرهم جُودًا وسَخاوة، وصيغةُ (كان) هنا تقتضي تكرار فعله؛ أي: كان عادته أنه أجود الناس؛ فكانت هذه حاله الدائمة ﷺ، لكنه كان في شهر رمضان بشكل خاص يبلغ الذروة والمقام الأعلى في الإنفاق والجود والسخاء والعطاء. ولهذا شبَّه ابنُ عباسٍ جودَه في رمضان بالريح المرسلة. قال ابنُ حجر -رحمه الله-: «يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْإِسْرَاعِ بِالْجُودِ أَسْرَعُ مِنَ الرِّيحِ، وَعَبَّرَ بِالْمُرْسَلَةِ إِشَارَةً إِلَى دَوَامِ هُبُوبِهَا بِالرَّحْمَةِ، وَإِلَى عُمُومِ النَّفْعِ بِجُودِهِ كَمَا تَعُمُّ الرِّيحُ الْمُرْسَلَةُ جَمِيعَ مَا تَهُبُّ عَلَيْهِ.» [فتح الباري (1/ 31)].
وفي الحديث "بَيَانُ عِظَمِ جُودِهِ ﷺ وَاسْتِحْبَابُ إِكْثَارِ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ" [شرح النووي على مسلم (15/ 69)].
ولكن ما السرُّ وراء مضاعفة جود النبي ﷺ في رمضان؟.. وهل هناك صلة بين هذا الجود المضاعف في رمضان وملاقاته جبريل ومدارسة القرآن؟!
أجاب عن هذا ابنُ رجب -رحمه الله- جوابًا ماتعًا؛ حيث يقول: «ثم كان جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل عليه السلام، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق. وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خُلقا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع ممّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جودُه وإفضالُه في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل عليه السلام، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحثّ على المكارم والجود. ولا شكّ أنّ المخالطة تؤثّر وتورث أخلاقا من المخالط» [لطائف المعارف (ص295)].
وقد نبَّه العلماءُ على عدة أسباب في مضاعفة جوده ﷺ في رمضان: «أحدها: أنه موسم الخيرات، وثانيها: أن الله تعالي يتفضل علي عباده في ذلك الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره، وكان ﷺ يؤثر متابعة سنة الله تعالي في عباده، وثالثها: أنه كان يصادف البُشرى من الله بملاقاة أمين الوحى، وبتتابع إمداد الكرامة عليه في سواد الليل وبياض النهار، فيجد في مقام البسط حلاوة الوجد، وبشاشة الوجدان، فينعم علي عباد الله بما يمكنه مما أنعم الله عليه، ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه شكرًا لله علي ما آتاه»[شرح المشكاة للطيبي (5/ 1628)].
وحالُ النبيِّ ﷺ مع الجود والعطاء حالٌ عجيبة لا تكاد تجد لها شبيها ولا مُقاربا؛ فقد "كان ﷺ أعظم الناس صدقةً بما ملكتْ يدُه، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه لله ولا يستقِلُّه، وكان لا يُسأَل شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاءَ من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيء إليه، وكان سرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرورِ الآخذ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينُه كالريح المرسلة.
وكان إذا عرض له محتاج آثَره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه. وكان يتنوَّع في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارةً بالصدقة، وتارةً بالهدية، وتارةً يَشتري الشيء ثم يعطي البائع الثمنَ والسِّلْعةَ جميعًا، كما فعل ببعير جابر. وتارةً كان يقترض الشيءَ فيردُّ أكثرَ منه وأفضلَ، ويشتري الشيءَ فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهديةَ ويكافئ عليها بأكثَر منها أو بأضعافها، تلطُّفًا وتنوُّعًا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن. وكانت صدقتُه وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيُخرِج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشَّحيح دعاه حالُه إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصَحِبَه ورأى هديَه لا يملك نفسه عن السماحة والنَّدى" [زاد المعاد (2/ 21، 22)].
فإذا علمتَ -أيها الحبيبُ- حالَ نبيّك ﷺ مع الجود والعطاء في رمضان، فلابد من أن تقتدي به وتسير على خطاه؛ قال الشافعي -رحمه اللّه-: «وأُحبُّ للرجل الزيادةَ بالجود في شهر رمضان اقتداءً به -ﷺ-ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم» [الحاوي الكبير (3/ 479)].
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، تعقيبا على كلام الشافعي السابق: "وَهَذَا كَمَا قَالَ. يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا» [صحيح الترمذي (807)].
وليس الجود قاصرًا على بذل المال، بل إن هناك أنواعا وصنوفا متعددة من الجود بغير المال؛ يقول ابن رجب -رحمه الله-: «والصدقة بغير المال نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإحسّان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب النفع للناس، ودفعُ الأذى عنهم، وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم. كما في حديث أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ قال: "تبسُّمُكَ في وجْهِ أخيكَ لَكَ صدقةٌ وأمرُكَ بالمعروفِ ونَهيُكَ عنِ المنْكرِ صدقةٌ وإرشادُكَ الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالِ لَكَ صدقةٌ وبصرُكَ للرَّجلِ الرَّديءِ البصرِ لَكَ صدقةٌ وإماطتُكَ الحجرَ والشَّوْكَ والعظمَ عنِ الطَّريقِ لَكَ صدقةٌ وإفراغُكَ من دلوِكَ في دلوِ أخيكَ لَكَ صدقةٌ". [صحيح الترمذي (1956)].
والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة" [جامع العلوم والحكم، ص 2 /59 وما بعدها باختصار)].
ومن أعظم أوجه الصدقة في رمضان تفطير الصائمين المحتاجين، إذ لا يقتصر فضلها على سد حاجتهم، بل تمتد لتكون عونًا لهم على أداء الطاعات، فينال من يعينهم مثل أجرهم، مصداقًا لقول النبي ﷺ: "مَن فطَّرَ صائمًا كانَ لَهُ مثلُ أجرِهِ، غيرَ أنَّهُ لا ينقُصُ من أجرِ الصَّائمِ شيئًا". [صحيح الترمذي (1956)]
ولا يخلو الصيام من بعض النقص أو الخلل، فقد يشوبه لغو أو تقصير، فجعل الله الصدقة وسيلة لتكميله وجبر ما قد يقع فيه من تقصير، ولهذا شُرعت زكاة الفطر في ختام الشهر المبارك، لتكون طُهرةً للصائم من أي لغو أو رفث قد بدر منه، فيختم صيامه بعمل صالح يُتمّ به أجره.
وهناك ارتباط وثيق بين قيام الليل والصدقة، فالجمع بينهما يُعدّ من أسباب دخول الجنة، إذ بشر النبي ﷺ بأن «في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرى ظاهِرُها مِنْ باطِنِها وباطِنُها مِنْ ظاهِرِها». فقيلَ: لِمَنْ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: «لِمَنْ أَطابَ الكَلامَ، وأَطْعَمَ الطَّعامَ، وصلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيامٌ»" [رواه أحمد، وهو في صحيح الترغيب (3717)].
وختامًا، أوصيك أيها الحبيب بالاقتداء بحال النبي ﷺ في رمضان، وكما كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وخاصة في رمضان، فإن المسلم يُستحب له أن يضاعف كرمه في هذا الشهر المبارك، سواء بالمال، أو بالإحسان، أو بتفطير الصائمين، أو بالصدقة المعنوية من أمرٍ بمعروف، وإرشاد للخير، وكلمة طيبة، أو حتى بجاهه وسلطانه في إعانة إخوانه المسلمين وتيسير مصالحهم؛ فليكن هذا الشهر فرصةً لمضاعفة الخير، طلبًا للأجر العظيم وابتغاءً لمرضاة الله.









