بشرى للخائفين .. بالأمن والتمكين!

بشرى للخائفين .. بالأمن والتمكين!
2025/10/28

في خضم المحن والظروف الصعبة التي مر بها المسلمون الأوائل في مكة ثم المدينة، حيث كانوا يعيشون في خوف دائم لا يكادون يفارقون فيه السلاح، جاءت آية كريمة من سورة النور لتمثل دفقة أمل وبشارة يَقين:

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]

في هذه الآية يُبيِّنُ الله تعالى وعْدَه الذي لا يتخلَّفُ لعبادِه المؤمنينَ، فيقولُ: وعَدَ اللهُ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ بمِيراثِ الأرضِ وخِلافتِها، كما استخلفَ المؤمِنينَ مِن قَبْلِهم، وأن يجعَلَ دينَهم الذي ارتَضاه لهم -وهو الإسلامُ- دينًا مَكينًا عزيزًا، فيَظهَرَ على غيرِه مِن الأديانِ، وأن يغَيِّرَ حالَهم مِن الخَوفِ إلى الأمنِ، يوحِّدونَ الله ويُخلِصونَ له العبادةَ، ولا يَعبُدونَ إلهًا غيرَه سُبحانَه. ومَن كفَرَ بعْدَ ذلك الاستِخلافِ والأمنِ والتَّمكينِ، فأولئك هم الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ. [التفسير المحرر]

سبب النزول:

وورد في سبب نزول هذه الآية عن أبي العالية الرِّياحِيِّ، قال: 

كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بمكة نحوًا مِن عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سِرًّا وهم خائفون، لا يُؤمَرون بالقتال، حتى أُمِروا بالهجرة إلى المدينة، فقَدِموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يُمْسون في السلاح، ويُصْبِحون في السلاح، فَغَبَروا(بقوا ومكثوا) بذلك ما شاء الله، ثم إنّ رجلًا مِن أصحابه قال: يا رسول الله، أبَدَ الدهر نحن خائفون هكذا! أما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: «لن تغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجلُ منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة». فأنزل الله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأمِنوا، ووضعوا السلاح، ثمَّ إنّ الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النِّعمة، فأدخل الله عليهم الخوفَ الذي كان رُفِع عنهم، واتخذوا الحُجَر والشُّرَط، وغيَّروا؛ فغُيِّر ما بهم. [تفسير ابن أبي حاتم]

وورد أيضًا في سبب نزولها عن أبي بن كعبٍ، رضي الله عنه، قال: 

«لما قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه المدينةَ وآوَتْهم الأنصارُ، رَمَتْهم العربُ عن قوسٍ واحدة، كانوا لا يَبِيتون إلَّا بالسلاح ولا يُصبِحون إلَّا فيه، فقالوا: تُرَونَ أنّا نعيشُ حتى نبيتَ آمنين مطمئنِّين لا نخافُ إِلَّا الله؟! فنزلت: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ‌لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ‌فِي ‌الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} إلى {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} يعني بالنِّعمة {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]» [رواه الحاكم في المستدرك (3554)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال محققو طبعة الرسالة: إسناده حسن]

وفي روايةٍ عن أُبَيّ بن كعب أيضًا، قال: 

لَمّا نزلت على النبيِّ ﷺ: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ الآية؛ قال: «بَشِّر هذه الأُمَّةَ بالسَّنا، والرِّفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمَن عمل مِنهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة مِن نصيب» [«موسوعة التفسير المأثور» (15/ 700)]

وقال البراءُ بن عازب، رضي الله عنه: "نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد" [تفسير ابن كثير]

ففي مثل هذه الحال من الخوف الشديد والاستضعاف وتكالب الناس عليهم؛ فلا يكادون يفارقون سلاحهم ليلاً ونهارًا من شدة ما بهم من الخوف، تنزل عليهم هذه الآيةُ لتبدِّدَ خوفهم وتنشرَ السكينة والطمأنينة في قلوبهم؛ إذ تزف إليهم وعدًا من الله بالنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض، وذهاب خوفهم وحلول الأمن.

بث الأمل والتفاؤل:

إن هذه الآية أشبه بدفقةٌ من التفاؤل والأمل تنزلت على قلوب أولئك الخائفين الذين تساءلوا فيما بينهم: "تُرَونَ أنّا نعيشُ حتى نبيتَ آمنين مطمئنِّين لا نخافُ إِلَّا الله؟!"، حتى إن أحدهم خاطب النبيَّ صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، أبَدَ الدهر نحن خائفون هكذا!"، فنزلت هذه الآية بشرى لهؤلاء الخائفين تبث فيهم الأمل والتفاؤل بما هو كائن من نصر وتمكين؛ فيهون عليهم حينئذٍ الصبر على حال الخوف والاستضعاف التي هم عليها.

وكان ذلك منهجًا نبويًّا رشيدًا في بث الأمل والتفاؤل بين أصحابه رضوان الله عليهم في أشدِّ أزمنة المحنة والاستضعاف:

فعن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال:

«شَكَونا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو متوَسِّدٌ بُردةً  له في ظِلِّ الكعبةِ، فقُلْنا: ألَا تَستنصِرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان مَن قَبْلَكم يُؤخَذُ الرَّجُلُ فيُحفَرُ له في الأرضِ، فيُجعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِه فيُجعَلُ نِصفَينِ، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لَحمِه وعَظمِه، فما يَصُدُّه ذلك عن دينِه! واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعاءَ إلى حَضرموتَ لا يخافُ إلَّا اللهَ، والذِّئبَ على غَنَمِه، ولكِنَّكم تَستعجِلون» [رواه البخاري (6943)].

وعن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ رَضِيَ الله عنه، قال: «بينا أنا عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذْ أتاه رجُلٌ فشكا إليه الفاقةَ، ثمَّ أتاه آخَرُ فشكا إليه قطْعَ السَّبيلِ، فقال: يا عَدِيُّ، هل رأيتَ الحِيرةَ؟ قلتُ: لم أرَها، وقد أُنبِئتُ عنها، قال: فإنْ طالت بك حياةٌ لتَرَينَّ الظَّعينةَ ترتحِلُ مِن الحِيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ أحدًا إلَّا اللهَ -قُلتُ فيما بيْني وبيْن نفْسي: فأينَ دُعَّارُ  طَيِّئٍ الذين قد سَعَّروا البلادَ؟!- ولئن طالت بك حياةٌ لَتُفْتَحَنَّ كنوزُ كِسرى، قلتُ: كسرى بنِ هُرمزَ؟! قال: كِسرى بنِ هُرْمُزَ، ولئن طالت بك حياةٌ لتَرَينَّ الرجُلَ يُخرِجُ مِلءَ كَفِّه مِن ذَهبٍ أو فِضَّةٍ يَطلُبُ مَن يَقبَلُه منه فلا يجِدُ أحدًا يقبَلُه منه... 

قال عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعينةَ ترتحِلُ مِن الحِيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إلَّا اللهَ، وكنتُ فيمَنِ افتتَحَ كُنوزَ كِسرى بنِ هُرْمُزَ، ولئن طالت بكم حياةٌ لتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسِمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ يُخرِجُ مِلءَ كَفِّه». [رواه البخاري (3595)]

الوعد قائم متى تحققت أسبابه!

والوعدُ بالاستِخلافِ في الأرضِ، والتَّمكينِ فيها، والتَّمكينِ مِن إقامةِ الدِّينِ الإسلاميِّ، والأمنِ التَّامِّ "لا يزالُ [قائمًا] إلى قيامِ السَّاعةِ: مهما قاموا بالإيمانِ والعَمَلِ الصالحِ، فلا بدَّ أن يوجَدَ ما وعَدهم اللهُ، وإنَّما يُسلِّطُ عليهم الكُفَّارَ والمنافقين، ويُديلُهم في بعضِ الأحيانِ؛ بسَبَبِ إخلالِ المسلمين بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ [تفسير السعدي]

وكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الوَعدُ مُناسِبٌ لكُلِّ مَنِ اتَّصفَ بهذا الوَصفِ، فمَن كان أكملَ إيمانًا وعَمِلَ صالحًا، كان استِخلافُه المذكورُ أتَمَّ، فإنْ كان فيه نقصٌ وخَلَلٌ، كان في تمكينِه خَلَلٌ ونَقصٌ؛ وذلك أنَّ هذا جزاءُ هذا العَمَلِ، فمَن قام بذلك العمَلِ استحقَّ ذلك الجزاءَ، لكِنْ ما بقِيَ قَرنٌ مِثلُ القَرنِ الأوَّلِ؛ فلا جَرَم ما بقيَ قَرنٌ يتمكَّنُ تمكُّنَ القَرنِ الأوَّلِ" [مجموع الفتاوى (18/302)].

نسأل الله أن يمكن لدينه في الأرض وأن يفرج عن كل خائفٍ أو مستضعفٍ أو مظلومٍ

🌺 آية واحدة كفيلة بأن تُبدّد الخوف وتزرع فيك يقين النصر والتمكين.. شارك هذه الفائدة مع أحبائك واكسب أجرًا!

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة