إنّ موت العلماء من أعظم المصائب التي تُصيب الأمة، فهم مصابيح الهداية وأمناء الشريعة، وبذهابهم يذهب العلم والفقه والنور. وما أشدَّ خسارة الأمة حين تفقدَ رجالَها العلماء الذين هم حصونها ومرجعها في الدين والدنيا.
عِظم مصيبة موت العلماء:
قال عبدُ الله بن عباس، رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:41]:
"مَوْتُ علمائِها وفقهائِها، وذهابُ خيارِ أهلِها".
وكذا قال مجاهد بن جبر أيضًا: هو موتُ العلماء.
وكذلك قال سعيد بن جبير: هو موت عُلمائِها، وخيار أهلها. [موسوعة التفسير المأثور].
فموتُ العلماء والفقهاء من المصائب العظام التي تنزل بالأمة، وهو ثُلمة لا تُسدُّ وجُرح لا يندمل؛ كما ورد عن الحسن البصري رحمه الله:
"كَانُوا يَقُولُونَ: مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ" [الزهد للإمام أحمد بن حنبل (ص212)].
رفع العلم بقبض العلماء:
وصحَّ عن النبيِّ ﷺ، أنه قال:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" [متفق عليه، وهذا لفظ البخاري]
فـ "رفعُ العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل ويعلمونه، فينتشر الجهل ويظهر" [المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم(6/ 705)].
قبض العلم بتضييع التعلُّم:
وجاء في الرواية الأخرى:
"إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ بِالْعُلَمَاءِ، كُلَّمَا ذَهَبَ عَالِمٌ ذَهَبَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْعِلْمِ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَيَتَّخِذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَيُسْتَفْتَوْا، فَيُفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّوا، وَيُضِلُّوا" [مسند أحمد (6896)، وإسناده صحيح].
قال أحدُ شراح الحديث:
"معنى ذلك أن الله لا يهب العلم لخلقه، ثم ينتزعه بعد أن تفضَّل به عليهم، والله يتعالى أن يسترجع ما وهب لعباده من علمه الذى يؤدّى إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون قبض العلم بتضييع التعلُّم فلا يوجد فيمن يبقى مَن يخلف مَن مضى، وقد أنذر ﷺ بقبض الخير كله، ولا ينطق عن الهوى" [شرح صحيح البخاري لابن بطال(1/ 177)].
أخطر ما يترتب على موت العلماء:
وأخطرُ شيءٍ في موت العلماء هو ما يُنذر به موتُهم من رفع العلم وانتشار الجهل بين الناس، حتى إذا لم يجدوا عالما يسترشدون بقوله ويستفتونه في شؤونهم، تصدر الجُهُّالُ وصاروا في الناس رؤوسا مُبرَّزين، "فيتحكمون فى دين الله بآرائهم، ويفتون فيه بجهلهم كما أخبر وكما قد وجد، نسأل الله السلامة والعافية" [إكمال المعلم بفوائد مسلم(8/ 167)].
لقد دفن اليوم علم كثير!
عن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت فلما دلي في قبره قال ابن عباس رضي الله عنه:
"يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وايم الله لقد ذهب اليوم علم كثير" [المعجم الكبير للطبراني(5/ 109)].
وفي رواية: "لقد دفن اليوم علم كثير" [مصنف ابن أبي شيبة (7/ 190 ت الشثري)].
وقال أيوب السختياني رحمه الله: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة لكأني أفقد به بعض أعضائي". [اللالكائي:(1/ 66 /29)، وحلية الأولياء(3 /9)].
وقال حماد بن زيد، رحمه الله: "كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه" [اللالكائي (1/ 67 /34)].
وفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ:
وقد أعلن الديوان الملكي السعودي اليوم الثلاثاء 23-9-2025 وفاة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء.
محطات من حياة الشيخ:
ويُعد ثالث مفتٍ في تاريخ السعودية بعد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبدالعزيز بن باز. وُلد في مكة عام 1943، ونشأ يتيماً، وحفظ القرآن صغيراً، وفقد بصره في شبابه.
كرّس حياته للعلم والدعوة، فعمل مدرّسًا وأستاذًا جامعيًا وخطيبًا في عدد من المساجد الكبرى، من أبرزها جامع الإمام تركي بن عبدالله ومسجد نمرة بعرفة.
وعُيّن عضواً في هيئة كبار العلماء عام 1987، ثم نائبا للمفتي عام 1995، ليصبح مفتياً عاماً للمملكة عام 1999 خلفاً للشيخ ابن باز، وظل يشغل المنصب حتى وفاته.
إن موت العلماء ليس فقدًا لأشخاصهم فقط، بل هو فقدٌ للعلم وانطماسٌ للمعالم وظهورٌ للجهل والفتن.
فلْنسأل الله أن يحفظ للأمة علماءها، وأن يُخلِف فيها من يقوم مقامهم بالحق والهدى.
شاركنا:
إذا أردت أن تدعو للعلماء الراحلين الآن.. فبأي دعاء تختم تعليقك؟









