الليلةُ المباركةُ.. هل هي ليلةُ النصفِ مِن شعبان؟

الليلةُ المباركةُ.. هل هي ليلةُ النصفِ مِن شعبان؟
2025/02/09

{حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)} [الدخان: 1 - 3]

أقسَمَ اللهُ تبارك وتعالى في صدر سورة الدخان بـ{الْكِتَابِ الْمُبِينِ} الَّذِي أَبَانَ طَرِيقَ الْهُدَى مِنْ طَرِيقِ الضَّلَالَةِ، وَأَبَانَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، أنه أنزل القرآن {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} أي: كثيرة الخير والبركة. ولا رَيْبَ أنَّها كانَتْ أبْرَكَ لَيْلَةٍ وأيْمَنَها عَلى العالَمِينَ، بِتَنْزِيلِ ما فِيهِ الحِكْمَةُ والهُدى، والنَّجاةُ مِنَ الضَّلالِ والرَّدى. قالَ القاشانِيُّ: ووَصَفَها بِالمُبارَكَةِ، لِظُهُورِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ، والهِدايَةِ والعَدالَةِ في العالَمِ بِسَبَبِها، وازْدِيادِ رُتْبَتِهِ ﷺ وكَمالِهِ بِها. [تفسير القاسمي(8/ 407)] .

والمراد بـ "أَنْزَلْنَاهُ" أي أن هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيهَا نُزُولُ الْقُرْآنِ على مُحَمَّد ﷺ فِي الْغَارِ مِنْ جَبَلِ حِرَاءٍ فِي رَمَضَانَ. أو أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه أَنْزَلَ الْقُرْآنَ في هذه الليلة جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ العِزّة مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بعدُ بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً على رسول الله ﷺ.

واختلف أهلُ التفسير في تحديد هذه الليلة: ففريقٌ -وهم الأكثرون- يرى أنها ليلةُ القدر، وعلى رأسِهم: ابنُ عباسٍ وقتادة ومقاتل وابنُ زيدٍ ومجاهد. وفريقٌ يرى أنها ليلةُ النصفِ من شعبان، وهذا القول يُروى عن عكرمة.

وقد رجَّح الطبريُّ والقُرطبيُّ وابنُ كثيرٍ وغيرُهم القولَ الأول؛ حيث قال الطبري رحمه الله: "والصوابُ مِن القول في ذلك قولُ مَن قال: عنى بها ليلة القدر" [تفسير الطبري (22/ ص: 8)]. وقال ابنُ كثير: "وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ -كَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ- فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ فَإِنَّ نَصَّ الْقُرْآنِ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ" [تفسير ابن كثير (7/ 246)]، يشير إلى قوله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة ١٨٥].

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِ الْقَاطِعِ:" شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" «2» [البقرة: 185] فَنَصَّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ نُزُولِهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ عين من زمانه الليل ها هنا بقوله" فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ"، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَا فِي فَضْلِهَا وَلَا فِي نَسْخِ الْآجَالِ فِيهَا فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا" [تفسير القرطبي (16/ 127)]

وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] أي: في ليلة القدر يُقضى ويُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ من الملائكة كلُّ أمر محكم مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ في تلك السنة، وغير ذلك مما يكون فيها إلى آخرها، وقوله: "حكيمٍ" أي: مُحْكَمٍ لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُكْتَبُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ مَوْتٍ وَحَيَاةٍ وَرِزْقٍ وَمَطَرٍ حَتَّى الْحَجَّ، يُقَالُ: يَحُجُّ فُلَانٌ وَيَحُجُّ فُلَانٌ. وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكَ لَتَرَى الرَّجُلَ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَقَدْ وَقَعَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى.

وما أجمل أن ندعو في الختام بما دعا به الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَأَثْبِتْنِي فِيهَا.  وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الذَّنْبَ وَالشِّقْوَةَ ، فَامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ".[أخرجه الطبري في "تفسيره" (13 /564)، وإسناده حسن، كما قال ابن كثير في "مسند الفاروق" (2 /549)]

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة