قال الله تعالى عن النفس البشرية: ﴿فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا﴾. أي عرفها طريق الفجور وطريق التقوى، وجعلها مهيأة ومستعدة لسلوك الطريقين.
فاختار الأشقياء الفجور منهجًا ومسلكًا لهم في هذه الحياة، وسلكوا طريق المعصية والظلم، وتنكبوا طريق التقوى والرشاد.
ولم يكن فجورهم فقط في معصيتهم لربهم ومخالفة أومره، بل كان ذلك ديدنهم في علاقتهم مع مخالفيهم من أهل الأرض.
الفجور في الخصومة:
ومن صور الفجور التي تظهر في تعامل الإنسان مع الآخرين: الفجور في الخصومة؛ حين تدفعه إلى تجاوز الحق والعدل، فيكذب أو يظلم أو يتعدى حدود الإنصاف، طلبًا للانتصار لنفسه والانتقام من خصمه.
وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك بقوله: (أربَعُ خِلالٍ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالِصًا: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ ، وإذا خاصَمَ فجَرَ، ومَن كانَت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانَت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها) [متفق عليه].
الصور المعاصرة:
-الكذب في الخصومات القضائية كاختلاق الوقائع، أو تحريف الأقوال، أو تقديم شهادات الزور.
-اقتطاع جزء من تسجيل، أو تعديل صورة أو مقطع، ثم نشره بصورة توهم بوقوع أمر لم يقع؛ وهو من أخطر صور الخصومة في عصر المحتوى الرقمي.
-إصرار أحد الطرفين على الانتقام، فيكشف أسرارًا اؤتمن عليها، أو يفضح عيوبًا كان يسترها، وكأن الخلاف أسقط كل حقوق العِشرة والخصوصية.
-استغلال الأبناء في النزاعات الزوجية، وتحويل الأطفال إلى أدوات ضغط بين الأبوين، أو تشويه صورة أحد الوالدين أمامهم، أو حرمانه منهم لمجرد الانتقام.
- أن يتحول الخصم، بسبب خلاف عابر، إلى شخص ينكر كل ما كان بينه وبين الآخر من معروف ومواقف طيبة.
الفجور الجماعي:
ولا يقتصر الفجور في الخصومة على علاقة بين شخصين، فقد يتسع نطاقه ليصبح فجورًا جماعيًا تمارسه فئة أو جماعة تجاه أخرى؛ حين تنصر جماعتها على أية حال، وتجعل الخلاف العابر مبررًا للانتقام، وإسقاط الحقوق، وانتهاك الحرمات.
بل وقد تلصق بالمخالفين أوصافًا تحط من قدرهم وتجرّدهم من إنسانيتهم، نكايةً بهم وانتقامًا منهم بسبب خلاف في الرأي أو التوجه، وهنا تتحول الخصومة من مجرد خلاف إلى تبرير للظلم الجماعي وإهدار للكرامة الإنسانية.
ضوابط الخصومة:
ولم يترك الإسلام الخصومات تسير وفق أهواء النفس، بل وضع لها ضوابط، لا تدعو إلى أن يتنازل الإنسان عن حقه، وإنما يطلبه دون تجاوز، ومن ذلك:
1-كظم الغيظ
قال تعالى: ﴿وَٱلۡكَـٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم، لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، من انتقام، بل يصبرون عن مقابلة المسيء إليهم، مع العفو وهو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء.
2-الاحتكام للشرع:
قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾. أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف بينهم، ثم يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد بالظاهر والباطن.
3- إنهاء القطيعة
فقال ﷺ: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، ويُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) [متفق عليه]؛ لأن بقاء القطيعة يفسد القلوب، ويزرع الأحقاد، ويهدم روابط الأخوة.
4- العدل والإنصاف
فلا يحمل الانسان غضبه أو خلافه على الكذب أو الظلم أو كتمان الحق. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. فالعدل واجب مع القريب والبعيد، ومع الموافق والمخالف.
خاتمة:
إن الفجور في الخصومة يبدأ حين يتحول الخلاف إلى مبرر للكذب والظلم والانتقام، أما التقوى، فتُبقي للخصومة حدودها، وللمخالف حقه.
تحدي اليوم:
إذا تذكرت شخصًا بينك وبينه خصومة، فاكتب: "اللهم أصلح بيننا"، واجعلها بداية للصلح.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy