الحَسَنُ البَصْرِيُّ أحدُ كبارِ أئمة التابعين، وهو اسمٌ له وقعٌ خاصٌّ لدى كلِّ مَن له اهتمامٌ وعنايةٌ بكتب الزهد والرقائق، ومواعظُه المبثوثة في تلك الكتب مِن أرقِّ ما أنتَ قارئٌ في بابها، تلامسُ الفؤاد وتجد طريقها مباشرةً إلى القلوب؛ فتعمل فيها عملها.
وُلد الحسنُ بمدينة رسول الله ﷺ لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب؛ أي في عام 21 هـ، وكانت أمُّه مَوْلاَةً لأُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ -رضي الله عنها-؛ ويذكرون في ترجمته أن أمه كانت ربما غابتْ فيبكي الصبي فتعطيه أمُّ سلمة ثديها تُعلّله به إلى أن تجيءَ أمه فدر عليها ثديها فشربه؛ فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك".
وكذلك كانت أمُّ سلمة رضي الله عنها تُخْرِجُهُ إِلَى أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَغِيْرٌ، فَكَانُوا يَدْعُوْنَ لَهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَى عُمَرَ، فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَحَبِّبْهُ إِلَى النَّاسِ" [سير أعلام النبلاء (4/ 565)].
يقول عنه الذهبيُّ: "كَانَ رَجُلاً تَامَّ الشَّكْلِ، مَلِيْحَ الصُّوْرَةِ، بَهِيّاً، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ المَوْصُوْفِيْنَ". [سير أعلام النبلاء(4/ 572)]
ويقول عنه مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: "كَانَ الحَسَنُ جَامِعاً، عَالِماً، رَفِيْعاً، فَقِيْهاً، ثِقَةً، حُجَّةً، مَأْمُوْناً، عَابِداً، نَاسِكاً، كَثِيْرَ العِلْمِ، فَصِيْحاً، جَمِيْلاً، وَسِيْماً". [الطبقات الكبرى (7 / 157 و158)].
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: "مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَشْبَهَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهُ" [طبقات ابن سعد 7 / 162].
يقول علي بن زيد: "سمعت من ابن المسيّب وعروة والقاسم وغيرهم، فما رأيتُ مثل الحسن، ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم ما تقدّموه".
وقال الأعمش: "مَا زَالَ الحَسَنُ يَعِي الحِكْمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ الحَسَنُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ البَاقِرِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي يُشْبِهُ كَلاَمُهُ كَلاَمَ الأَنْبِيَاءِ". [الحلية 2 / 147].
وكان الحسنُ مثالاً فريدًا في الزهد، ومن كبار أعلامه؛ فلم تُغْرِه أموالُ الملوك ولا زينتهُم، بل زهد فيما عندهم، فكانوا هم مَن يرغبون فيما عنده. وقد بلغ من استغنائه عن الناس وما في أيديهم أن أصبحوا هم في حاجة إليه. قال يونس بن عبيد: "أخذ الحسن عطاءه فجعل يقسمه، فذكر أهله حاجة، فقال لهم: دونكم بقية العطاء، أما إنه لا خير فيه إلا أن يُصنع به هذا".
أما خالد بن صفوان، فيروي كيف كان الحسن نموذجًا نادرًا للصدق والورع، فيقول: "لقيتُ مسلمة بن عبد الملك فقال: يا خالد أخبرني عن حَسَن أهل البصرة؟ قلت: أصلحك الله، أخبرك عنه بعلم، أنا جارُه إلى جنبه، وجليسُه في مجلسه… أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبههم قولًا بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنيًا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه. فقال مسلمة: حسبك! كيف يضل قوم هذا فيهم؟!"
وكان زهدُه ظاهرًا في حياته ومعيشته، فقد دخل عليه مطر الوراق، الإمام الزاهد، يعودُه، فلم يجد في بيته شيئًا، لا فراشا، ولا بساطا، ولا وسادة، ولا حصيرا، إلا سريرًا بسيطًا من الحبال كان مضطجعًا عليه.
ومِن جميل ما يُروى عن الحسن البصري قولُه -رحمه الله-: "لم أجد من العبادة شيئاً أشدَّ مِن الصلاة في جوف الليل!، فقيل له: ما بال المتهجِّدين أحسنَ الناس وُجوها؟ فقال: لأنهم خلَوْا بالرحمن فألبسهم نورًا مِن نوره". [مختصر منهاج القاصدين (ص: 67)].
ولما سُئل الحسن: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟، قال: الصلاة في جوف الليل!
وعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: اجْتَمَعَ الْحَسَنُ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَأَشْبَاهُهُمَا وَتَذَاكَرُوا: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَاجْتَمَعْتُ - عَلَى خِلَافِهِمْ، فَقَالَ الْحَسَنُ: مَا عُمِلَ عَمَلٌ بَعْدَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ نَاشِئَةِ اللَّيْلِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الْوَرَعُ، فَغَضِبَ الْحَسَنُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْوَرَعِ» [الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 232)].









