قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. والبخس هو النقص، ويكون عبر التطفيف في الكيل والميزان، أو التقليل من قيمة السلعة، أو خداع صاحبها والتحايل عليه لانتزاعها بأقل مما تستحق.
والآية، وإن جاءت في سياق النهي عن إنقاص الناس حقوقهم في البيع والشراء، فإن معناها أوسع من ذلك؛ فهي تؤسس لقاعدة عظيمة في التعامل: لا تنقص إنسانًا حقه، ولا تقلل من قيمة ما يستحقه.
صور البخس:
قد تبخس إنسانًا ماله حين تماطل في إعطائه، أو تتلاعب بحقه، أو تستغل حاجته وضعفه.
وقد تبخسه جهده حين تنسب نجاحًا صنعه هو إلى نفسك، أو تتجاهل تعب شخص وقف خلف إنجازك المادي والمعنوي.
وقد تبخس شريك حياتك حقه حين تعتاد ما يقدمه لك حتى يصبح في نظرك أمرًا عاديًا لا يستحق الشكر؛ فلا يرى الزوج ما تبذله زوجته من رعاية وتدبير وتربية، ولا ترى الزوجة ما يبذله زوجها من سعي ومسؤولية وتعب.
وقد تبخس والديك حقهما حين تنسى سنوات الرعاية والتربية والإنفاق، وتتعامل مع ما قدماه لك وكأنه واجبٌ لا فضل فيه.
وقد يبخس الأب أبناءه حين لا يرى فيهم إلا تقصيرهم، فينسى محاولاتهم ونجاحاتهم وما يبذلونه من جهد.
وقد يبخس صاحب العمل العامل حين يأخذ من وقته وجهده أكثر مما يعطيه، أو يعده بحق ثم يماطله فيه.
وقد يبخس الطالب حق معلمه ومربيه حين يتطاول عليه بقول أو فعل، أو يتعامل معه بجفاء، متناسيًا ما أسداه إليه من علم وتوجيه، فلا يحمل في قلبه تقديرًا لفضله ولا اعترافًا بمعروفه.
أثر البخس:
وحين يصبح البخس عادة، يتسلل إلى النفوس، ويبدأ الخلل يضرب في المجتمع كله، فتنهدم جسور الثقة، وتتلاشى مقومات الأمانة.
فالباخس يعتاد الجشع، ويرى حقوق الآخرين فرصةً للاقتطاع، ويبرر لنفسه أن يأخذ أكثر مما يستحق.
أما المبخوس، فيحمل في داخله شعورًا بالظلم والأسى، ومع تكرار الظلم تتراكم المرارة، والرغبة في الانتقام ولو من غير ثمن!
ولذلك تأمل كيف ربط القرآن أكل أموال الناس بالباطل بالنهي عن قتل النفس، فقال تعالى:﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَ ٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَـٰطِلِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضࣲ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾.
المنهج النبوي:
وفي عصر طغى فيه البخس، بمسميات شتى، ودعاوى متعددة، نحتاج أن نتذكر كيف كان النبي ﷺ حريصًا على إعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وصون حقوق الناس، وعدم بخسهم أشياءهم، قولًا وفعلًا.
قال ﷺ: (من صَنَع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تكافِئونَه فادْعُوا له حتى تَرَوا أنَّكم قد كافَأْتُموه) [ٍصحيح أبي داود].
أي: جازوه على معروفه بمثله أو بما هو أفضل منه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به على ما قدّمه لكم من معروف، فادعوا له بصدق وإخلاص، وأكثروا من الدعاء حتى يغلب على ظنكم أنكم قد وفيتموه حقه، وأديتم بعض ما له عليكم من فضل وإحسان.
وفي صحيح مسلم، استلف النبي ﷺ بكرًا [ناقة صغيرة]، فجاءته إبل الصدقة، فأمر أحد الصحابة أن يرد إلى الرجل بكره، فقال: لم أجد في الإبل إلا خيارًا رباعيًا [أفضل وأسنّ منه]. فقال النبي ﷺ: (أعطوه؛ فإنَّ مِن خيارِ النَّاسِ أحسَنَهم قَضاءً).
والإحسان في أداء الحق هنا يدل بوضوح على حرص النبي ﷺ على مكافأة الرجل على معروفه، فلم يكتفِ بردِّ ما له، وإنما أعطاه أفضل مما أخذ منه.
الخاتمة:
إن البخس قد يبدأ بنظرةٍ تستصغر جهدًا، أو كلمةٍ تتجاهل فضلًا، أو اعتيادٍ يجعل ما يقدمه الآخرون يبدو وكأنه لا يستحق التقدير. ولذلك فلنسأل أنفسنا: كم حقًا، وكم فضلًا، وكم إنسانًا بخسناه دون أن نشعر؟
من وجهة نظرك:
ما أكثر صورة من صور بخس الناس أشياءهم انتشارًا اليوم؟
اكتبها في تعليق بكلمة أو جملة قصيرة.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy