كثيرٌ من الناس تتعلقُ قلوبهم بالخلق أكثر من الخالق، فصار اعتمادهم وسؤالهم وتعلُّقُهم بغير الله، ومع أن الاستعانة بالناس فيما يقدرون عليه مشروعة، لكن جعلهم محلَّ الاعتماد القلبي هو سبب الخذلان.
وفي مقابل ذلك يركن بعض الناس إلى ذكائه وقوته، ويغفل عن سؤال الله العون والتوفيق، مع أن النجاة كل النجاة في صدق الافتقار إلى الله، ودوام اللجوء إليه، والانكسار بين يديه.
يقول الله تعالى:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَاۤءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ﴾ [فاطر ١٥]
في هذه الآية يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه: في وجودهم، وقدراتهم، وأرزاقهم، ودفع الضر عنهم، وتربيتهم وتدبير شؤونهم، وهدايتهم وتعليمهم وتوفيقهم للخير. فلو وُكِلوا إلى أنفسهم لهلكوا وفسدت قلوبهم وأحوالهم.
والموفق منهم هو من يشهد فقره إلى الله في كل حال، فيلجأ إليه دائمًا، ويسأله العون، وألا يكله إلى نفسه طرفة عين، فهذا أحقُّ بإعانة الله ورحمته.
واللهُ وَحدَه هو الغَنيُّ غِنًى مُطلَقًا مِن جَميعِ الوُجوهِ عن جَميعِ خَلقِه، وعن عِبادتِهم؛ فلا يفتَقِرُ إلى شَيءٍ سُبحانَه، ومِن غناه أنَّه يُغني الخَلقَ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ وهو المحمودُ في ذاتِه وأسمائِه، وصِفاتِه وأفعالِه، وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، المحمودُ على نِعَمِه، وإحسانِه بخَلقِه.
وما أجمل ما قال ابن تيمية معبرا عن حال الخلق كلهم:
أَنَا الْفَقِيرُ إِلَى رَبِّ الْبَرِيَّاتِ … أَنَا الْمُسَيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتي
وحينما نزل موسى -عليه السلام- مدين، وحيداً، طريداً، غريباً، لم يرفع شكواه إلا لبارئه، فجسّد أسمى معاني التذلل في قوله: ﴿رَبِّ إِنِّی لِمَاۤ أَنزَلۡتَ إِلَیَّ مِنۡ خَیۡرࣲ فَقِیرࣱ﴾ [القصص ٢٤]، وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال. فم يكد ينتهي من دعائه، حتى جاءه الرزق، والمسكن، والزوجة، والأمن!
فالافتقار إلى الله هو مفتاح إجابة الدعاء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه؛ وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة".
وأحسن ما يتوسّلُ به العبدُ إلى الله: دوامُ الافتقار إليه على جميع الأحوال، وملازمةُ السُّنة في جميع الأفعال، وطلبُ القوت من وجه حلال. [مدارج السالكين]
🌿ما هي الدعوة التي يلهج بها لسانُك دائماً مُستشعِرًا افتقارك إلى الله؟
شاركنا إياها في التعليقات لعلها تكون ساعة استجابة









