الإمام البزّي.. مُبلّغ قراءة ابن كثير إلى العالم

الإمام البزّي.. مُبلّغ قراءة ابن كثير إلى العالم
2025/10/30

الإمام أحمد بن محمد البزِّي رحمه الله، أحد كبار أئمة القراءة في مكة المكرمة، ومؤذن المسجد الحرام لمدة 40 عامًا، عُرف بدقته في الأداء، وضبطه للرواية، حتى صار شيخ الإقراء في زمانه، وتلقّت عنه الأجيال روايته لقراءة ابن كثير جيلاً بعد جيل. 

وفي هذه الفائدة نستعرض سيرته المباركة، ونقف على جانب من مكانته ودوره في خدمة كتاب الله تعالى.

اسمه ونسبه:

هو: أَبُو الحَسَنِ ‌أَحْمَدُ ‌بنُ ‌مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ القَاسِمِ بنِ أَبِي بَزَّةَ المَخْزُوْمِيُّ مَوْلَاهُمُ، الفَارِسِيُّ الأَصْلِ، ويعرف بـ"البزي"، نسبةً إلى جَدِّه (أَبِي بَزَّةَ)، واسمه بشار مولى عبد اللّه بن السائب المخزومي، و"أبو بزة" فارسي، وقيل: همذاني، أسلم على يد السائب بن صفي المخزومي.

وُلد ‌البزيُّ سنة 170 هـ في أيام الهادي، وتُوفِّيَ سنة 250 هـ في أيام المستعين، وله يومئذٍ 80 سنة.

والإمام البزيُّ هو الراوي الأول عن الإمام ابن كثير المكي.

يقول الشاطبي -رحمه الله- في منظومته "حرز الأماني":

وَمَكَّةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ … هُوَ اُبْنُ كَثِيرٍ ‌كاثِرُ ‌الْقَوْمِ مُعْتَلَا

رَوى أَحْمَدُ الْبَزِّيْ لَهُ وَمُحَمَّدٌ … عَلَى سَنَدٍ وَهْوَ المُلَقَّبُ قُنْبُلَا

 

شيوخه:

قرأ البزي القرآن على مشاهير علماء عصره؛ منهم: عكرمة بن سليمان (الذي أخذ عنه قراءة ابن كثير) ، وأبو الإخريط وهب بن واضح، وعبدالله بن زياد مولى عبيد بن عمير الليثي، وكلهم عن إسماعيل بن عبدالله المخزومي المعروف بالقِسْط.

قال أبو عمرو الدَّاني: اتَّفق النَّاقِلُون عن البزِّي على أنَّ إسماعيل القِسْط قرأ على ابن كثير نفسِه، إلاَّ ما كان من الاختلاف عن أبي الإخريط، فإنَّ البزِّي حكى عنه الموافقة للجماعة.

رواة القراءة عنه:

تتلمذ على البزِّي خلقٌ كثير، منهم: إسحاق بن محمد الخزاعي، والحسن بن الحباب بن مخلد، وأحمد بن فرْح، وأبو ربيعة محمد بن إسحاق الربعي، ومحمد بن هارون، وموسى بن هارون، وأبو علي الحداد، وقنبل محمد بن عبدالرحمن المكي، وآخرون.

ثناء العلماء عليه:

قال الذهبي عنه: «كَانَ دَيِّناً، عَالِماً، صَاحِبَ سُنَّةٍ رحمه الله» [سير أعلام النبلاء (12/ 51)]

ووصفه ابن الجزري بأنه «أستاذ محقق ضابط متقن» [غاية النهاية في طبقات القراء(1/ 119)].

وقال عنه أيضًا:

«كَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَةِ مُحَقِّقًا ضَابِطًا مُتْقِنًا انْتَهَتْ إِلَيْهِ مَشْيَخَةُ الْإِقْرَاءِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ ‌مُؤَذِّنَ ‌الْمَسْجِدِ ‌الْحَرَامِ» [النشر في القراءات العشر (1/ 121)]

وقال عنه ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان» (1/ 631): «إمامٌ في القراءة، ثَبْتٌ فيها».

حديث التكبير من سورة الضحى:

من العادات المشتهرة لدى بعض قراء القرآن الكريم: التكبير بعد كل سورة، ابتداءً من سورة الضحى إلى الناس، ومستندهم في ذلك حديثٌ يرويه صاحبُنا في فائدتنا هذه (البزيُّ) -رحمه الله-

فقد أخرج الحاكمُ في المستدرك على الصحيحين (5413) بسنده عن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ قَالَ:

سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ سُلَيْمَانَ، يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: {وَالضُّحَى}. قَالَ لِي: كَبِّرْ عِنْدَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ حَتَّى تَخَتِمَ، فَإِنِّى قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: {وَالضُّحَى}. كَبَّرَ حَتَّى خَتَمَ. وَأَخْبَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ بِذَلِكَ.

قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

لكن تعقبه الذهبي في التلخيص: "قلتُ: البزيُّ قد ‌تُكُلِّمَ ‌فِيهِ".

وقال الذهبي أيضًا في الميزان: "هذا حديث غريب، وهو مما أُنكر على البزي".

وقال أبو حاتم الرازي في شأن البزي: "ضعيف في الحديث ولستُ أحدِّث عنه".

وقال العقيلي: "مُنكر الحديث ويوصل الأحاديث".

وسأل ابنُ أبي حاتم أباه في العلل (4/ 669) عن هذا الحديث فقال: "هو حديث منكر".

قال ابن مُفلح الحنبلي: «وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزِّيِّ وَهُوَ ‌ثَبْتٌ ‌فِي ‌الْقِرَاءَةِ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ» [الآداب الشرعية (2/ 310)].

أما عن حكم التكبير المذكور؛ فقد اختلف العلماء فيه: فاستحبه الإمام أحمدُ، وخالفه باقي الأئمة؛ وعن الإمام أحمد رواية أخرى توافق قولَ الجمهور ، والصحيح أنه لا يُشرع التكبير؛ لأنه لم يثبت هذا في حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، كما لم يصحَّ التكبيرُ عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما ثبت ذلك عن بعض قراء أهل مكة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :

"والتكبير المأثور عن ابن كثير ليس هو مسنداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسنده أحدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا البزيّ، وخالف بذلك سائرَ مَن نقله؛ فإنهم إنما نقلوه اختياراً ممن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وانفرد هو برفعه، وضعَّفه نقلةُ أهلِ العلم بالحديث والرجال من علماء القراءة وعلماء الحديث، كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء" [مجموع الفتاوى( 17 / 130 )]

لقد عاش الإمام البزِّيُّ -رحمه الله- نحوًا من 80 سنة، قضى غالبها بين تعليم القرآن وتبليغه ونشر قراءته، وقد ترك إرثًا خالدًا في الأمة، إذ لا تزال روايته تُتلى في المصاحف وعلى ألسنة القرّاء حتى اليوم.

فجزاه الله عن القرآن وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من خدمةٍ لكتاب الله في ميزان حسناته.

📖 كانت تلك رحلة قصيرة في حياة أحد أعلام القراء المكيين.. ساهم بنشر هذه السيرة المباركة وشاركنا الأجر!👇

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة