أول ليلة من رمضان🌙 كما لم تعشها من قبل!🤲

أول ليلة من رمضان🌙 كما لم تعشها من قبل!🤲
2025/02/18

مع غروبِ شمس آخر يومٍ من شعبان، تستقبل الدنيا أولَ ليلةٍ من ليالي أفضلِ الشهور (شهر رمضان)، وفي هذه الليلة يحدث تغيُّر جذري عجيب في الكون كله من حولك، هو ذلك التغير الذي أخبر عنه النبيُّ ﷺ: "إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ". [أخرجه الترمذي (682)، وابن ماجه (1642) من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1339)، وأصلُه في الصحيحيْن: البخاري (3277)، ومسلم (1079)].

وفي رواية: "إذا كانَ رَمَضانُ فُتِّحَتْ أبْوابُ الرَّحْمَةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ.[وفي رواية]: إذا دَخَلَ رَمَضانُ، بمِثْلِهِ" [صحيح مسلم (1079)].

فتأمّل معي كل هذه التغيرات والحركة التي تحدث في الكون مع دخول أول ليلةٍ من رمضان: 

  • تفتح أبواب الجنان؛ فلا يُغلق منها باب.

  • تغلق أبواب النيران؛ فلا يُفتح منها باب.

  • تغلُّ الشياطين ومردة الجن.

  • ينادي منادٍ لأول مرة: "يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ".

وإن المؤمن الصادق حين يستشعر أنَّ اللهَ عز وجل يهيئ له كلَّ هذه الأمور في أول ليلةٍ من رمضان، لكي ييسّر له العبادة وتحصيل الأجر على مدار الشهر؛ فإنه حينئذٍ لا يمكن أن يظل جامدًا غافلا لاهيا، ولا يقابل ما هيَّأه له الرحمنُ باستعداداتٍ مِن نفسه وقلبه تعينه على استقبال الشهر المبارك استقبالاً حقيقيًا يليق بطالب الجِنان الراغبِ في العتق من النيران.

وهذه بعض المعاني والتأملات التي أتمنى عليك أن تستشعرها بقلبك في أول ليلة من رمضان، وإني لأرجو أن تعيش معها وبها شهرًا يختلف عن كلِّ رمضان مرَّ بك سابقًا:

أولاً: استشعر نعمة بلوغ الشهر، وقد حُرمها غيرُك ممن وافته المنية، ثم استشعر نعمة بلوغ الشهر وأنت سليمٌ معافى، وغيرك ربما يكون مبتلى بداء أقعده عن بعض العبادة في هذا الشهر؛ أليستْ نعمًا عظيمة تستوجب شكرًا وعملاً واجتهادًا في العبادة؟!.

يقول ابنُ رجب -رحمة الله عليه-: "بُلُوغُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصِيَامُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى مَنْ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ اسْتُشْهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ بَعْدَهُمَا، فُرُوِيَ فِي النَّوْمِ سَابِقًا لَهُم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَيْسَ صَلَّى بَعْدَهُمَا كَذَا وَكَذَا صَلَاةً، وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ بَيْنَهُمَا لَأَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»(). خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. [لطائف المعارف (ص: 148)، والحديث في المسند (1403) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال محققو طـ الرسالة: حسن لغيره].

 

ثانيًا: اسْتقْبلْ رمضانَ هذا العام استقبالَ مودِّعٍ؛ وكأنَّه آخرُ رمضان لك! .. كأنَّك في ضيافة هذا الشهر للمرة الأخيرة! .. كيف ستكون عبادتُك في الشهر إذا استحضرتَ رُوح الوداع هذه طوال الشهر؟! .. لا شك أنك ستبذل أقصى ما في وُسْعك للاجتهاد في الطاعة والعبادة .. واعلم أنك باستحضار هذا المعنى ستتخلص من آفة تحوُّل العبادة إلى عادة، التي كثيرًا ما نواجهها في بعض العبادات، والتي تجعلنا نفعل العبادة بصورة آلية لا رُوحَ فيها، وهذا يؤثر ولا شك على أجر هذه العبادة؛ فإن الأجر مرتَّبٌ في العبادة على حضور القلب فيها وعدم الانشغال عنها.

ولا يعني استحضار رُوح الوداع عند استقبال رمضان، عدمَ الفرح والاستبشار بقدومه، بل نفرح ببلوغ هذا الموسم من مواسم الطاعة رجاءَ ما فيه من الرحمات والمغفرة والعتق من النيران، ونستحضر معنى الوداع كمحفِّز لنا على الاجتهاد في الطاعة والاستزادة من العمل الصالح.

 

ثالثًا: قدِّم بين يدي رمضان توبةً نصوحًا من كل ما اقترفته من ذنوبٍ صغائرها وكبائرها، واعلم أن الأحاديث الواردة في الصحاح في فضل رمضان؛ من مثل:

  • «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»

  • «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

أقول: اعلم أن الوعد بمغفرة الذنوب المرتَّب على الأعمال الصالحة في هذه الأحاديث ومثيلها إنما ينسحب على صغائر الذنوب دون كبائرها؛ لأن الكبائر تحتاج إلى توبة خاصة. قال الإمام النووي رحمه الله: "قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ مَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً". [شرح النووي على مسلم (6/ 40)].

فالحاصل أن كبائر الذنوب تحتاج إلى توبة خاصة؛ وهذه التوبة النصوح من أرجى ما يُستقبل به شهر رمضان؛ فتدخل الشهر وأنت تائبٌ عازمٌ على الإقلاع عن جميع الذنوب في الحاضر، نادمٌ عما وقع منها في الماضي، عازمٌ على ألا تعود إليها في المستقبل، مع رد المظالم إلى أصحابها إن كان الذنب متعلقًا بحق من حقوق العباد.

 

فهذه ثلاث وصايا أوصيك أن تستحضرها في أول ليلة من ليالي رمضان هذا العام، ثم أَقْبِلْ على الله "إيمانا واحتسابا"، طالبًا معونته وتيسيره فيما ترجوه من خيرات وبركات في شهرك؛ فإن الله جل ثناؤه جوادٌ كريمٌ إن أقبلت عليه بصدق وهبك من خزائن رحماته وإفضاله ما ستظل منه مُتعجِّبًا وبه مُندهِشًا.

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة