أنت ترى الزهرة… ولا ترى الفتنة

أنت ترى الزهرة… ولا ترى الفتنة
2026/09/20

ربما لم تكن حزينًا قبل أن تفتح هاتفك.
كنت راضيًا عن بيتك، حتى رأيت بيتًا أوسع. وكنت سعيدًا بسيارتك، حتى رأيت سيارة أحدث.
 وكنت ترى في حياتك نعمًا كثيرة، حتى بدأت تتابع حياة الآخرين؛ سفرهم، ونجاحاتهم، وأموالهم، ولحظاتهم الجميلة التي يختارون عرضها لك.
المشكلة أن حياتك لم تتغير بعد ذلك، لكن نظرتك إليها هي التي تغيرت.
وهنا يأتي القرآن ليعالج شيئًا دقيقًا في النفس البشرية، فيقول:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
تأمل التعبير: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾.
لم يقل: لا ترَ، وإنما نهاك عن مد العين. ويبين القرطبي أن هذا أبلغ من مجرد النظر؛ لأن مد البصر يكون معه غالبًا حرص وتطلع. 

قد ترى شيئًا عند غيرك ثم تنصرف عنه، لكن الخطر حين تطيل النظر إليه حتى يتبعه قلبك، وتبدأ المقارنة: لماذا عنده وليس عندي؟ لماذا نجح هو وتأخرت أنا؟ لماذا يعيش بهذه الصورة وأنا لا؟
عندها لا تعود تنظر بعينيك فقط، بل تبدأ في النظر بقلبك أيضًا.
ثم انظر كيف وصف الله ما عند هؤلاء: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يفسرها الطبري والبغوي بأنها زينة الحياة الدنيا وبهجتها. 

واختيار كلمة «زهرة» وحدها يحمل معنى عميقًا؛ فالزهرة جميلة، تلفت الأنظار، لكنها لا تبقى.
وهكذا كثير مما يملأ أعيننا اليوم: سيارة، منزل، مال، منصب، شهرة، سفر، مظهر، نجاح… كلها قد تكون جميلة ومحبوبة، لكنها في النهاية زهرة؛ تزهر فترة ثم تذبل، وتبقى الدنيا أوسع من أن تمنح الإنسان شيئًا دائمًا.
لكن هناك ما هو أخطر من كونها زائلة.

قال الله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
هذه النقطة كفيلة بأن تغير نظرتك إلى حياة الآخرين كلها.

 يقول البغوي إن الله يجعل ما أعطاهم فتنة لهم، فيزداد بعضهم به كفرًا وطغيانًا.
 فالنعمة التي تراها أنت من الخارج، لا تعرف كيف يعيش صاحبها معها في الداخل.
قد تنظر إلى مال شخص وتتمنى مثله، ولا تعرف هل سيكون هذا المال سببًا في نجاته أم هلاكه. وقد ترى نجاحه وتتمنى مكانه، ولا تعرف ما الذي سيُسأل عنه بسبب هذا النجاح. وقد ترى حياة تبدو مكتملة أمامك، بينما صاحبها يحمل من الهموم والاختبارات ما لا يظهر في صورة واحدة.
فأنت ترى النعمة، لكنك لا ترى الفتنة.

ولهذا قال الله بعد ذلك: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
هذا هو الميزان الذي يريد القرآن أن يعيدك إليه: لا تقارن ما في يدك بما في يد الناس، بل قارن بين ما يفنى وما يبقى.
فالذي تتمنى أن تملكه اليوم قد لا يبقى معك غدًا، أما ما عند الله فهو خير وأبقى. 

ولهذا يربط القرآن بعدها مباشرة بالصلاة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.
وكأن المعنى: لا تجعل عينيك معلقتين بأرزاق الناس، بينما قلبك غافل عن رازق الناس.
حين يضيق صدرك مما عند غيرك، لا تحتاج دائمًا إلى أن تتغير الدنيا من حولك؛ ربما تحتاج فقط إلى أن تغير الجهة التي تنظر إليها.
انظر إلى نعمك التي اعتدتها حتى نسيتها. 
انظر إلى ما أعطاك الله، وإلى ما تستطيع أن تصنعه بما أعطاك. وإذا رأيت عند غيرك شيئًا تحبه، فاسأل الله من فضله، ولا تجعل قلبك يعيش أسيرًا لما في أيدي الناس.

فأنت لا تعرف قصة النعمة كاملة، ولا تعرف اختبارها، ولا تعرف نهايتها.
لكن الله أخبرك بما تحتاج أن تعرفه:
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.
فلا تمد عينيك إلى زهرةٍ ستذبل، وتنسَ رزقًا عند الله لا يفنى.

شاركنا في التعليقات: ماذا تعلمت من الفائدة؟

 

صورة المستخدم

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة