من المسائل الفقهية التي ينبغي على المسلم العنايةُ والاهتمامُ بها من أحكام الصيام، مسألةُ مُفسِدات (أو: مُبطلات) الصيام، أو ما يمكن تسميته بـ (الـمُفطرات)؛ وهي الأشياء التي تفسد على الصائم صومه وتفطره.
وأصول هذه المفطرات ثلاثة؛ وهي الأكل والشرب والجماع. وقد ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَٱلۡـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّیَامَ إِلَى ٱلَّیۡلِۚ ﴾ [البقرة ١٨٧]. أما سائر المفطرات فقد بينها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته.
وابتداءً نوضح أن هذه المفطرات التي سيأتي ذكرها تباعًا، من الجماع والأكل والشرب وغيرها، لا يفطر بها الصائم إلا بثلاثة شروط: أن يكون عالماً، وأن يكون ذاكراً ، وأن يكون مختاراً.
وهذه هي مفسدات الصيام، نسوقها مختصرةً؛ ليسهل الوقوف عليها من أقرب طريق:
1- تناولُ الطَّعامِ والشَّرابِ عَامِدًا ذاكرًا لصومه:
وهذا يبطل صومُه ويجب عليه القضاء، فإن أكل أو شرب ناسيًا، فإنه يتم صومه ولا قضاء عليه.
ويدخل في ذلك السَّعُوط (إدخال دواء ونحوه) في الأنف، وكذا إيصال كل شيء مائع أو جامد عن طريق الأنف أو العين أو الأذن شريطة وصوله للجوف.
ويدخل فيه أيضًا: كل ما كان بمعنى الأكل والشرب؛ كحقن الدم للصائم بحيث يستغني به عن الأكل والشرب، وكذا الإبر المغذية التي تقوم مقابل الأكل والشرب. أما الإبر الأخرى غير المغذية فلا تفطر في أي مكان من الجسم أخذها الصائم، وعلى أي كيفية ما لم تصل إلى جوفه.
2- الجِماع في نهارِ رمَضان متعمِّدًا
فمتى جامع الصائمُ في نهار رمضان بطل صيامُه وعليه التوبة والاستغفار وقضاء اليوم الذي جامع فيه. وعليه مع القضاء الكفارةُ وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين أطعم ستين مسكينًا.
3- نزول دم الحيض والنفاس:
فمنْ حاضتْ أو نفسَتْ ولو في اللحظة الأخيرة من النهار، فسد صومُها، وعليها قضاء هذا اليوم، بإجماع العلماء.
4- إنزال المني باختياره (تعمّد الاستمناء):
إذ أنزل الصائم باختياره بتقبيل أو لمس أو استمناء (العادة السرية) أو غير ذلك، فسَد صومُه؛ لأن هذا من الشهوة التي تنافي الصوم، وعليه القضاء فقط. أما إن قبل أو لمس دون إنزال لم يفطر.
أما الإنزال باحتلام أو بتفكير مجرد عن العمل فلا يفطر؛ لأن الاحتلام بغير اختياره والتفكير معفوٌّ عنه إن شاء الله.
5- الرِّدَّة عن الإسلام:
فمَنِ ارتدَّ عن الإسلام في أثناء الصوم فإن صيامه باطل، باتفاق أهل العلم، وعليه القضاء إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم أثناء اليوم أو بعد انقضائه.
6- التقيؤ عمدًا:
ويفطر بالتقيؤ عمدًا سواء كان بالفعل كعصر بطنه، أو بالشم كأن يشم شيئًا له رائحة كريهة نفاذة يتقيأ بها، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء قبيح ليقيء به، وعليه في كل ذلك القضاء. ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء.فإن غلبه القيء وخرج بغير اختياره، فلا قضاء عليه ولا كفارة، بلا خلاف.
7- نية الإفطار:
مَن نوى الفطر وهو صائم، مجرد النية، بشرط أن يعزم على الإفطار جازمًا متعمدًا ذاكرًا أنه في صوم، بطُل صومُه، وإن لم يأكل أو يشرب؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" [متفق عليه].
أمور لا تُفسد الصيام:
وإتمامًا للفائدة، نورد بعض الأمور التي يكثر السؤال عنها في رمضان ظنًا أنها تفسد الصيام، وليست كذلك؛ ومنها:
1 - الحجامة:
وفي كونها من المفطرات خلاف بين أهل العلم؛ ففريقٌ يراها تفطر وأنه متى تم استخراج الدم من الصائم بحجامة أو فصد أو سحب للتبرع به لإنقاذ مريض محتاج؛ فإنه يفطر. وهذا قولُ أحمد وابن سيرين وعطاء والأوزاعي وإسحاق وابن المنذر وابن خُزيمة، واختاره ابن تيمية أن المحتجم يفطر بالحجامة، وهو قول عليٍّ وأبي هريرة وعائشة.
لكن جمهور أهل العلم (أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم) ذهبوا إلى أن الحجامة لا تفطر؛ لا الحاجم ولا المحجوم، ولكنهم كرهوها بوجه عام. وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وطائفة من السلف.
2- أن يصبح يوم الصيام جُنبًا:
من نام جُنبًا أو أجنب ليلاً ثم أصبح صائمًا، فصومُه صحيح ولا قضاء عليه.
3- تقبيل الزوجة ومباشرتها بشرط:
الصحيحُ أنه لا يُكره أن يقبّل أو يباشر، وهو صائم، فإن قبَّل أو باشر فأمذى أو أمذتْ فلا شيء عليهما، فإن كان يعلم مِن نفسه أنه يمني بذلك لم يجز له، فإن فعل وأمنى أو أَمْنَتْ هي فقد أفطر الذي أنزل المني منهما وبطل صومُه وعليه القضاء.
4- الاغتسال والصَّبُّ على الرأس للتبريد:
الاغتسال عامًا أو صبُّ الماء على الرأس للتبرد لا يُفسد الصيام.
5- المضمضة والاستنشاق دون مبالغة:
المضمضة والاستنشاق جائزان للصائم ما لم يبالغ أو يقصد دخول الماء إلى الحلق.
6- تذوق الطعام للحاجة:
يجوز تذوق الطعام للضرورة فقط، مثل مضغ الطعام للصبي، شريطة ألا يصل إلى الجوف.
7- الاكتحال والادهان وشم الطيب والبخور:
هذه الأمور لا تُفسد الصيام؛ لأنها ليست بأكل ولا شرب، ولم يرد نهي عنها.
8- السواك:
السواك جائز للصائم في أي وقت، وقد اختلف الفقهاء في استحباب تركه بعد الزوال. والأظهر أنه لا بأس بالسواك في كل وقت.
9- ابتلاع النخامة أو البلغم:
الأظهر أن ابتلاع النخامة أو البلغم لا يُفسد الصيام، ولو كانت في فمه ما لم تفحش، أو يقصد الأكل أو الشرب.
10- ابتلاع ما لا يُحترز منه:
مثل بقايا الطعام اليسيرة العالقة بالأسنان، أو الدم اليسير من اللثة إذا لم يقصد ابتلاعه، أو غبار الطريق وغيره مما لا يمكن تجنبه.
11- الأكل أو الشرب أو الجماع ناسيًا:
لا يفسد الصيامُ بشيء من ذلك إذا كان ناسيًا.
12- القيء غير المتعمد:
القيء الذي يحدث دون قصد وبغير اختيار لا يُفسد الصيام أيضًا.
ويلحق بهذه الأمور بعض المسائل التي فيها خلاف والتي تحتاج إلى بيان؛ وهي كالتالي:
1 - حكم استعمال قطرة العين وقطرة الأذن وقطرة الأنف في نهار رمضان:
قطرة العين وقطرة الأذن لا يفطر بهما الصائم في أصح قولي العلماء، فإن وجد طعم القطرة في حلقه فالأحوط له أن يقضي هذا اليوم، ولكن القضاء لا يجب حيث إن العين والأذن ليسا منفذين للطعام والشراب.
أما قطرة الأنف: فلا تجوز إلا إذا كان مضطرًا؛ لأن الأنف منفذ للحلق. فمن فعل ذلك فعليه القضاء إن وجد طعم القطرة في حلقه.
2 - حكم استعمال بخاخ الربو اليدوي:
لا مانع للصائم منه؛ لأنه لا يصل إلى المعدة وإنما هو في الحلق والرئة. لكن لو ثبت أنه يضاف له محاليل وقرر الطبيب المختص أنها تصل المعدة فهنا يفطر به الصائم.
3 - حكم استعمال الإبر المسكنة في نهار رمضان:
لا تفطر الصائمَ؛ لأنها ليست إبرًا مغذية، وأما إبرة السكر فالراجح أنها لا تفطر، ولكن الأولى لمريض السكر ألا يأخذها أثناء النهار إلا إذا كان محتاجًا لها.
4 - حكم استعمال الإبر المغذية للصائم:
لا يجوز، ومن أخذها فقد فسد صومُه وعليه القضاء.
5 - حكم استعمال الحقنة الشرجية:
التي يحتقن بها المريض ضد الإمساك أو غيرها من الأدوية التي تدخل من دبر الصائم. وفيها نزاع بين أهل العلم. لكن الأظهر أنها لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا أو شربًا، ولا في معنى الأكل والشرب، كما أنها لا تصل إلى الجوف.
6 - حكم استعمال التحاميل في نهار رمضان:
لا حرج على الصائم في استعمال التحاميل (اللبوس) التي يأخذها من دبره في نهار رمضان؛ لأن هذا ليس أكلًا أو شربًا ولا في معنى الأكل أو الشرب، ثم إن هذه التحاميل تذوب ولا تتسرب إلى الجوف.
7 - حكم البنج إذا سرى في جسد الصائم:
إذا سرى البنج في جسد الصائم في نهار رمضان بسبب قلع ضرس أو نحوه فلا بأس به ولا يفطر؛ لأنه ليس من الأكل أو الشرب ولا في معناهما، ولكن على الصائم في هذه الحالة ألا يبتلع الدم الخارج من الضرس، بل يتفله، فإن وصل إلى جوفه شيء منه أفطر به ما لم يكن بغير اختياره.
8 - حكم استعمال فرشاة الأسنان والمعجون:
يجوز للصائم استعمالها في نهار رمضان؛ لأنها لا تفطر ما دام أنه لم يصل إلى جوفه شيء منها، وأما إذا وصل إلى جوفه شيء منها أفطر وقضى.
9 - حكم ابتلاع الريق وما في حكمه:
لا شيء فيه على الصائم، ولكن لا يسوغ تعمد بلع النخامة، وأما إذا ابتلعها الصائم من غير قصد فلا تأثير لها على صيامه؛ لأنها مما لا يتحرز منه غالبًا.
10 - حكم الصائم الذي تبرع بالدم:
الأظهر أن التبرع بالدم أثناء الصيام لا يفطر قياسًا على الحجامة، لكنه يُكره في حقِّ مَن كان سيضعف به، ويُحرم إذا بلغ به الضعف إلى أن يكون سببًا في إفطاره، والله أعلم.
11 - حكم السباحة في البحر أو البركة أو في حمام السباحة:
يباح للصائم في نهار رمضان أن يسبح في البحر أو البركة أو في حمام السباحة سواء كان عميقًا أو غير ذلك، ولكن عليه أن يراعي ألا يتسرب الماء إلى جوفه.
12 - حكم استعمال دواء الغرغرة:
استعمال الصائم لهذا الدواء في نهار رمضان لا يُبْطِلُ صومَه إذا لم يبتلعه، ولكن عليه ألا يتناوله إلا إذا دعت الحاجة إليه، ولا يفطر به إذا لم يدخل في جوفه شيء منه. وكذلك كل ما كان دواءً للأسنان أو اللثة ما دام أنه لا يدخل إلى الجوف فلا حرج من تناوله في نهار رمضان ولا يفطر بذلك. والممنوع هو وصوله إلى الحلق والجوف.









