الشحّ داءٌ دفين في النفس، يحرّكها نحو الحرص والطمع ويقودها إلى الظلم والعدوان. وقد حذّرنا الله تعالى منه في كتابه الكريم، وجعل السلامة منه مفتاح الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9].
ما معنى الشح؟
الشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال.. والشحّ في هذا الموضع مقصود منه عدة أمور.
قيل المقصود بالشح هنا: أكل أموال الناس بغير حقّ.
ويؤيده ما جاء عن أَبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.
وقيل: شح النفس هو كثرة الطمع، وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل، وهو فقر لا يذهبه غنى المال، بل يزيده، وهو داعية كل خلق سوء.
وعن أَبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلاً يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال. إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئًا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.
ما الفرق بين الشح وبين البخل؟
الشح هو شدة الحرص على الشيء، والإلحاح في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه.
والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله.
إذن فالبخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره.
جاء في نظم الدرر:
والشح: خلق باطن هو الداء العضال رأس الحية وكل فتنة ضلالة، والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح.
وقال طاوس:
البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس يُحبُّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام؛ لا يقنع.
النهي عن الشح وعاقبته:
وقد نهانا الشرع الحنيف عن الشح، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ علَى أنْ سَفَكُوا دِماءَهُمْ واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهُمْ )[رواه مسلم:2578].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: خطب رسول الله ﷺ، فقال: (إيَّاكم والشُّحَّ؛ فإنَّما هلَك مَن كان قَبْلَكم بالشُّحِّ، أمَرَهم بالبُخلِ فبَخِلوا، وأمَرَهم بالقَطيعةِ فقَطَعوا، وأمَرَهم بالفُجورِ ففَجَروا) [رواه أبو داودَ (1698) وصحَّحه الألبانيُّ].
وقال كسرى لأصحابه:
أي شيءٍ أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: الشح أضر من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدًا.
كيف تكون الوقاية من الشح؟
ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها منه في جميع ما أمر به، فالنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها، وتارة بتعطيل الأعضاء عن الطاعات فتتركها، ومن فعل ما فرض عليه خرج عن الشح. وبالجملة فهو لا يأخذ شيئًا مما نهاه الله عنه، ولا يمنع شيئًا أمره الله بأدائه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (أتى رَسولَ اللهِ ﷺ رجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ؟ فقال: أنْ تَصَدَّقَ وأنت صَحيحٌ شَحيحٌ، تَخشى الفَقْرَ، وتأمُلُ الغِنى، ولا تُمهِلْ حتَّى إذا بلَغَتِ الحُلْقومَ قُلتَ: لِفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، ألَا وقد كان لفُلانٍ)[رواه البخاريُّ (1419)، ومسلمٌ (1032)] .
قال البقاعي في نظم الدرر:
ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت، وكان علاج الرذائل صعبًا جدًا، لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة، بنى للمفعول قوله: ﴿يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس وقاية تحول بينه وبينها، فلا يكون مانعًا لما عنده، حريصًا على ما عند غيره حسدًا.
ماذا بعد وقاية النفس من الشح؟
فإذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعًا منقادًا، منشرحًا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبًا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجل.
وعد من الله تعالى بالفلاح:
وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك فقال: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب، أي الفائزون بما أرادوا.
والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعًا، من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك.
فمن وُقِي شحّ نفسه انشرح صدره للخير، وأصبح كريم اليد طاهر القلب، ينفق مما أحب طاعةً لله. وهؤلاء هم المفلحون حقًّا الذين وعدهم الله بالفوز بكل مطلوب والنجاة من كل مرهوب.
شاركنا رأيك:
أيهما أصعب على النفس:
إنفاق المال على الآخرين؟
كفّ النفس عن الحرام مع شدة الرغبة فيه؟
..........................
المصادر:
تفسير الطبري- فتح البيان للقنوجي- تفسير القرطبي- تفسير السعدي- تفسير الآلوسي- نظم الدرر للبقاعي- الإكليل للسيوطي- مجموع رسائل ابن رجب- شرح رياض الصالحين لابن عثيمين- فتح الرحمن في تفسير القرآن للعليمي.









