أكثرُ الأماكنِ التي يأنسُ فيها الإنسانُ، ويأمنُ فيها على نَفْسِه وعِرْضِه ومالِه هي بيتُه، وأوحشُ الأماكنِ وأخوفُها لدى كثيرٍ من الناس هي القبور، ومن أمحل المحال أن يرغب أحدُهم مختارًا أن يتحول بيته العامر إلى مقبرة موحشة!
ومن هنا، ندرك جِديَّةَ هذا التحذير الواردِ في حديث النبي ﷺ (لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ)؛ أَيْ: خَالِيَةً عَنِ قراءة القرآن وذِكْرِ الله وَالطَّاعَةِ فَتَكُونُ كَالْمَقَابِرِ وَتَكُونُونَ فيها كَالْمَوْتَى!
ثم أرشدنا الحبيبُ ﷺ إلى ما يُجنِّبُ بيوتَنا أن تكون على هذه الحال المُحشة كالمقابر:
1- قراءة سورة البقرة كاملة:
قال رسول الله ﷺ (إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ) [أخرجه مسلم(780)]؛ أي: يئِسَ من إغْواءِ أهْلِه ببَرَكةِ هذه السُّورةِ، أو لمَا يَرى من جِدِّهم في الدِّينِ، واجْتِهادِهم في العِبادةِ، بما يحافظان عليه من قراءة سورة البقرة في بيتهم؛ مع ما يستلزم ذلك من بذل وقت وجهد لإتمام هذه الطاعة.
2-قراءة خواتيم سورة البقرة:
وعن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال:(إنَّ اللهَ كتب كتابًا قبل أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ بأَلْفَيْ عامٍ أَنْزَلَ منه آيتينِ ختم بهما سورةَ البقرةِ، ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيَقْرَبُها شيطانٌ) [أخرجه الترمذي (2882) وصححه الألباني].
فمَن قرأ بهاتين الآيتين في داره أو بيته ثلاثَ ليالٍ، لم يقرب تلك الدارَ شيطانٌ فضلاً عن أن يدخلها، وكأنَّ الدارَ صارتْ في حِرزٍ من الشيطان تلك الليالي.
2-قراءة آية الكرسي:
آية الكرسي: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم). من قالها حين يصبح أجير من الجن حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي أجير منهم حتى يصبح. أخرجه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
وهي أعظم آية في القرآن لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى، ونفي النقائص عنه سبحانه وتعالى. كما جاء في حديث أبي بن كعب مع النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله عن أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي. كما جاء في صحيح مسلم.
4-قراءة المعوذات:
عن عبدِ الله بنِ خُبَيْبٍ رضيَ الله عنه، قال:(خرَجْنا في لَيلةٍ مَطِيرةٍ وظُلْمةٍ شديدةٍ نَطلُبُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي لنا، فأدرَكْتُه فقال: قُلْ. فلمْ أَقُلْ شيئًا، ثمَّ قال: قُلْ. فلمْ أقُلْ شيئًا، ثمَّ قال: قُلْ. قلتُ: ما أقولُ؟ قال: قُلْ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، والمُعَوِّذَتَينِ حينَ تُمْسي وحينَ تُصبِحُ ثلاثَ مرَّاتٍ تَكفيكَ مِن كلِّ شَيءٍ).[ أخرجه أبو داودَ (5082) وصححه الألباني]
وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا أوَى إلى فِراشِه كُلَّ لَيلةٍ جَمَع كَفَّيْه، ثُمَّ نَفَث فيهما فقَرَأ فيهما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَمسَحُ بهما ما اسْتَطاع مِن جَسَدِه، يَبْدَأُ بهما على رَأْسِه ووَجْهِه وما أقْبَلَ مِن جَسَدِه، يَفعَلُ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ).[ أخرجه البخاري (5017)]
قال السعدي:
إن أهم مقاصد هذه السورة: الاستعاذة من جميع أنواع الشرور عمومًا وخصوصًا.
5-ذكر الله تعالى عند دخول البيت وعند الطعام:
ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالْعَشَاءَ) [أخرجه مسلم (2018)].
فلا تجعلوا بيوتكم خِلوًا من قراءة القرآن؛ فيصدق فيها قول عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضِي اللهُ عنه-: «إنَّ أصفرَ البيوتِ بيتٌ ليس فيهِ شيٌء من كتابِ اللهِ». أي: أقلُّ البيوت خيرًا وبركةً البيتُ الذي خلا من كتاب الله أن يُتلى فيه.
فاللهم أنِر بيوتنًا دومًا بذكرك وتلاوة كتابك الكريم، واملأها خيرًا وبركةً على مَن فيها…









