يقول الله جل ثناؤه:
﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن یَنكِحۡنَ أَزۡوَ ٰجَهُنَّ إِذَا تَرَ ٰضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَ ٰلِكَ یُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۗ ذَ ٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٣٢]
نزلتْ هذه الآية الكريمة، كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما، "في الرجلِ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً أو تَطْليقتَيْن، فتَنْقَضِي عِدَّتُها، ثم يَبْدُو له في تزويجِها وأن يُراجِعَها، وتريدُ المرأةُ فيَمْنَعُها أولياؤُها من ذلك، فنَهى اللَّهُ سبحانَه أن يَمْنَعُوها". [تفسير الطبري]
سبب النُّزول:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (٥١٣٠) عن الحسن البصريِّ، أنَّه قال في قوله سبحانه: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ}: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ».
وفي بعض الرويات تفصيلٌ أكثر: فعن مَعْقِلِ بن يَسار قال:
كانت لي أختٌ، فأتاني ابنُ عمٍّ لي، فأنكَحْتُها إيّاه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلَّقها تطليقةً لم يُراجِعْها، حتى انقَضَت العِدَّة، فهَوِيَها وهَوِيَته، ثم خطبَها مع الخُطَّاب، فقلتُ له: يا لُكَعُ، أكْرَمْتُك بها، وزوَّجْتُكما، فطَلَّقْتَها، ثم جئتَ تَخْطُبُها، واللهِ، لا تَرْجِعُ إليكَ أبدًا. وكان رجلًا لا بأسَ به، وكانت المرأةُ تريدُ أن ترجعَ إليه، فعلِم اللُه حاجَتَه إليها وحاجَتَها إلى بعلِها؛ فأنزَل الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}. قال: ففِيَّ نزلت هذه الآية، فكفَّرْتُ عن يميني، وأنكَحْتُها إيَّاه. وفي لفظٍ: فلمَّا سمِعها مَعْقِلٌ قال: سَمْعٌ لربي وطاعة. ثُمَّ دعاه، فقال: أُزَوِّجُكَ، وأُكْرِمُكَ. [موسوعة التفسير المأثور]
تفسير الآية:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن یَنكِحۡنَ أَزۡوَ ٰجَهُنَّ إِذَا تَرَ ٰضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾
أي: وإذا طلَّقتم نساءكم دون الثلاث وانتهت عدتهن من غير مراجعة لهن، فلا تضيقوا -أيها الأولياء- على المطلقات بمنعهن من العودة إلى أزواجهن بعقد جديد إذا أردن ذلك، وحدث التراضي شرعًا وعرفًا. [التفسير الميسر]
وقوله تعالى ذكره: ﴿ذَ ٰلِكَ یُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۗ﴾
أي: إنَّ نهي الأولياءِ عن عَضْلهنَّ في تلك الحال، إنَّما يُوجَّه إلى مَن يَلين قلبه بالذِّكرى، ويخاف مُنزجِرًا عن الوقوع في الحرام، وهم الذين يؤمنون بالله تعالى وبالدار الآخرة؛ لأنَّ الإيمان بهما يُحقِّقُ خشيةَ الله تعالى، وخوف الحساب والجزاء، فهؤلاء هم الذين ينتفعون حقًّا بتلك الموعظة. [التفسير المحرر]
وقوله تعالى: ﴿ذَ ٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾
(أزْكى لكم وأطْهَرُ) مَعْناهُ: أطْيَبُ لِلنَّفْسِ، وأطْهَرُ لِلْعِرْضِ والدِينِ، بِسَبَبِ العَلاقاتِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأزْواجِ، ورُبَّما لَمْ يَعْلَمْها الوَلِيُّ فَيُؤَدِّي العَضْلُ إلى الفَسادِ والمُخالَطَةِ عَلى ما لا يَنْبَغِي، واللهُ تَعالى يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما لا يَعْلَمُ البَشَرُ. [المحرر الوجيز لابن عطية]
وقال الطبري -رحمه الله- هنا كلامًا بديعًا في تفسيره:
"ثم أخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه يَعلَمُ مِن سرائرِهم وخَفِيّاتِ أمورِهم ما لا يعلَمُه بعضُهم من بعضٍ، ودلَّهم بقولِه لهم ذلك في هذا الموضعِ أنه إنما أمَر أولياءَ النساءِ بإنكاحِ مَن كانوا أولياءَه من النساءِ، إذا تراضتِ المرأةُ والزوجُ الخاطبُ بينهم بالمعروفِ، ونهاهم عن عَضْلِهن عن ذلك، لِمَا عَلِم مما في قَلْبِ الخاطبِ والمخطوبةِ من غَلبةِ الهَوى والميلِ مِن كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه بالمَوَدَّةِ والمحبةِ، فقال لهم تعالى ذكرُه: افعلُوا ما أمَرْتُكم به إن كنتم تُؤمِنون بي وبثَوابِي وبعِقابِي في معادِكم في الآخرةِ، فإني أَعلمُ من قَلبِ الخاطبِ والمخطوبةِ ما لا تَعلَمُونه مِن الهَوى والمحبةِ، وفعلُكم ذلك أفضلُ لكم عند اللَّهِ ولهم، وأَزكَى وأَطهرُ لقلوبِكم وقلوبهِنّ في العاجلِ".
عضل المرأة في النكاح:
ولا يتعلق حكم العضل بالمرأة المطلقة التي ترغب في العودة لزوجها فقط، بل بالمرأة عمومًا فإنه يحرُم على ولي المرأة عضلُها ومنعُها من الزواج بالكفء الذي رضيت به.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: "مَعْنَى الْعَضْل: مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنَ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ وَرَغِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ … فإن رَغِبَتْ فى كُفْءٍ بعَيْنِه، وأراد تَزْوِيجَها لغيرِه من أكفائِها، وامْتَنَعَ من تَزْويجِها مِن الذى أرادَتْه، كان عاضِلًا لها. فأمَّا إن طَلَبتِ التَّزْويجَ بغيرِ كُفْئِها، فله مَنْعُها من ذلك، ولا يكونُ عاضِلًا لها بهذا؛ لأنَّه لو زُوِّجَتْ من غيرِ كُفْئِها، كان له فَسْخُ النِّكاحِ، فلأن تُمْنَعَ منه ابتداءً أوْلَى". [«المغني» (9/ 384)]
وهذا للأسف أمرٌ متفشٍ هذه الأيام في بعض المجتمعات المسلمة؛ حيث يعضل الأب بناته عن الزواج ويرد خُطَّابها دون سبب وجيه معقول، بل تعنتًا لأجل مصلحته الشخصية؛ فقد يكون طامعًا في راتبها إن كانت تعمل، أو استبقاءِ خدمتها له والقيام على شؤونه!
لكن ماذا تفعل المرأة إذا عضلها وليُّها عن الزواج؟
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَضْل مِنَ الْوَلِيِّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِتَزْوِيجِهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَضْل بِسَبَبٍ مَقْبُولٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى غَيْرِهِ. [الموسوعة الفقهية الكويتية» (30/ 144- 145)]
واختلف الفقهاء فيمن تنتقل إليه الولايةُ:
-
ففريقٌ يرى أَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِل إِلَى السُّلْطَانِ (القاضي) أو الحاكم الشرعي لأنَّ له ولايةً عامةً ما دامت لم تحصل الولاية الخاصة.
-
وفريقٌ يرى أن الولاية تنتقل إلى الْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ (الأقرباء العصبة الأولى فالأولى)، فإن أبوا أن يزوجوا المرأة؛ فإن الولاية تنتقل إلى الحاكم الشرعي.
وفي الختام، فإنك ترى كيف حفظ الإسلام للمرأة حقَّها الشرعي في اختيار زوجها الكفء، ومنع الأولياء من تحويل الولاية إلى ظلمٍ وتعسُّفٍ لقهر المرأة، وفي ذلك أبلغُ ردٍّ على كل كذاب أثيم يدَّعِي أن الإسلام يظلم المرأة ويسلبها حقوقها.
🚨 شارك هذه الفائدة الآن.. ربما تكون سببًا في إنقاذ قلب مظلوم أو فتح باب فرجٍ لفتاة مُعضلة!









