﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.. يقينٌ يصنع الحياة

﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.. يقينٌ يصنع الحياة
2026/09/23

الإيمان باليوم الآخر ركن أصيل من أركان الإيمان، وقد ربط عز وجل الإيمان بهذا اليوم بالإيمان بالله في مواضع كثيرة من القرآن، فقال: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. كما ربطه بالكفر به سبحانه فقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا الأصل، ففي حديث جبريل المشهور، لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان، قال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ) [متفق عليه]. 
والمؤمن بالآخرة يوقن بالبعث والنشور، والحساب والجزاء، والجنة والنار، والوقوف بين يدي الله تعالى، وما أعده سبحانه لعباده من ثواب وعقاب.

اليقين بالآخرة:
ولم يكتفِ القرآن بذكر الإيمان بالآخرة، بل حض المؤمنين على اليقين بها عندما مدحهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
واليقين بالآخرة هو العلم الراسخ الذي لا يخالطه شك، وهو من أعظم ما يحمل الإنسان على الاستقامة؛ لأنه يجعل الحساب حاضرًا في وعيه، ويجعله ينظر إلى أعماله من زاوية ما تؤول إليه عند الله تعالى.

لماذا أكّد القرآن على اليقين بالآخرة؟
ومع أن الإيمان بالآخرة داخل في الإيمان بالغيب، فإن القرآن خصَّها بالذكر في وصف المتقين؛ لما لها من أثر بالغ في توجيه السلوك.
فمن أيقن أن هناك حسابًا، لم يستوِ عنده فعل الخير وتركه، ولا الطاعة والمعصية، ومن أيقن بالجزاء، لم تعد الخسارة الدنيوية وحدها هي التي يخشاها، ولم يعد الربح العاجل هو غايته النهائية.
فاليقين بالآخرة ينقل الإنسان من النظر المحدود إلى الحياة إلى رؤية أوسع؛ فلا تكون الدنيا عنده نهاية الوجود، ولا تكون نتائجها العاجلة هي المقياس الوحيد.

حين أنكر الكافرون البعث:
ولأن اليقين بالآخرة بهذه الأهمية البالغة، كان إنكارها من أبرز القضايا التي واجه بها القرآن منكري البعث، فقد سجَّل القرآن أقوالهم واعتراضاتهم في مواضع متعددة، ومن ذلك قولهم:
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾.
وقال تعالى عنهم: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
وقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
وتكرار القرآن لعرض هذا الاعتراض في مواضع متعددة يدل على مركزية اليقين بالآخرة في الصراع بين الإيمان والكفر على مر العصور؛ فليس إنكار البعث والآخرة قاصرًا على منكرِي البعث في الأمم السابقة؛ ففي العصر الحديث تصورات مادية ودهرية تنظر إلى الحياة باعتبارها وجودًا ينتهي بالموت، وتنفي ما وراء هذا العالم من بعث وحساب وجزاء.

علامات ودلالات ..فماذا أعددت لها؟
ولليوم الآخر علامات ودلالات أخبر عنها النبي ﷺ، منها العلامات الصغرى ومنها العلامات الكبرى، ومعرفة هذه العلامات من العلم النافع الذي يعين على استحضار قرب ذلك اليوم، ويزيد المؤمن يقينًا بما أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ. 
غير أن معرفة العلامات لا ينبغي أن تتحول إلى انشغال عن المقصود الأعظم من الإيمان بالآخرة؛ فقد كان توجيه النبي ﷺ يردّ نظر أصحابه من سؤال متى تقوم الساعة؟ إلى سؤال أهم: ماذا أعددت لها؟.
 فعندما سأل رجلٌ النبي ﷺ عن الساعة، قال: (مَتَى السَّاعَةُ؟)، فلم يجبه عن وقتها، وإنما قال له: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)[صحيح البخاري].
وهكذا يعلّمنا النبي ﷺ أن المقصود من اليقين بالآخرة أن يتحول هذا اليقين إلى استعداد عملي، وأن يكون اهتمام المؤمن بما سيقدمه بين يدي الله تعالى أعظم من انشغاله بموعد قيام الساعة. فالسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في حياة المؤمن: ماذا أعددت لذلك اليوم؟

ثمرات عظيمة:
وإذا استقر اليقين بالآخرة في القلب، ظهرت آثاره في حياة صاحبه؛ ولهذا كان للإيمان باليوم الآخر ثمرات عظيمة، من أبرزها:
الرغبة في الطاعة: فمن أيقن بالثواب، رغب في العمل الذي يوصله إليه، وأصبح فعل الطاعة عنده مرتبطًا بما يرجوه عند الله تعالى. قال سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾.
الخوف من المعصية: ومن أيقن بالحساب والعقاب، لم ينظر إلى المعصية باعتبارها لذة عابرة تنتهي بانتهاء لحظتها، بل يتذكر ما قد يترتب عليها في الآخرة. قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّیۤ أَخَافُ إِنۡ عَصَیۡتُ رَبِّی عَذَابَ یَوۡمٍ عَظِیمࣲ﴾.
الصبر على مشاق الدنيا: اليقين بالآخرة يمنح المؤمن قدرة على الصبر؛ لأنه يعلم أن ما يلقاه من مشقة أو ظلم أو حرمان لا يضيع عند الله تعالى. قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
عدم الاغترار بالدنيا: واليقين بالآخرة يضع الدنيا في حجمها الحقيقي؛ فلا يجعل الإنسان ما يملكه فيها غاية وجوده، ولا يجعل ما يفوته منها نهاية أحزانه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ* وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
تصحيح موازين الإنسان: والمؤمن بالآخرة لا يجعل الربح والخسارة محصورين في حدود الدنيا؛ فقد يبدو العمل خاسرًا في ميزان الناس، لكنه يكون عظيمًا عند الله، وقد يبدو المكسب كبيرًا في أعين الناس، بينما يكون وبالًا على صاحبه في الآخرة. قال تعالى ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِینَ أَعۡمَـٰلًا ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾.

الخاتمة:
إن اليقين بالآخرة يترك أثره في حياة المؤمن، فيوجّه سلوكه ويضبط اختياراته ومواقفه في الدنيا، فيحيا في هذه الحياة الدنيا وهو يستعد للقاء الله تعالى.

شارك معنا:
قال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. اكتب في تعليقك: اللهم اجعلنا منهم.

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة