قدم القرآن الكريم نموذجًا بليغًا للتربية والحوار الإيماني داخل الأسرة في وصايا لقمان لابنه، حين وعظه وذكره، وبدأ معه من الأساس الذي تنتظم حوله بقية معاني الإيمان والسلوك.
لقمان والحكمة:
لقد آتى الله سبحانه وتعالى لقمان الحكمة، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. وهي الصواب، ووضع الأمور في مواضعها، وحسن تقدير ما يقال، وكيف يقال، ومتى يقال.
ومن وجوه ظهورها في هذا الموقف أن لقمان جعل من علاقته بابنه فرصةً للتوجيه الإيماني، ولم يفصل بين الحكمة التي يتحلى بها في نفسه والمسؤولية التي يحملها تجاه أحد أفراد أسرته.
مشهد أسري:
وتبدأ الآية بمشهد أسري﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾. فهو أب يتحدث إلى ابنه، ويوجهه إلى ما ينفعه، ويحرص على أن يحميه من أسباب الضلال والشقاء.
وهذا المشهد البسيط في ظاهره يحمل معاني عميقة في التربية الإيمانية؛ فلقمان يذكره بما يرقق قلبه، ويقرب إليه الخير، ويحذره من الشر وعواقبه.
طبيعة الخطاب:
ويلفت قوله تعالى ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ الانتباه إلى طبيعة الخطاب؛ فالمقصود تقديم النصح في سياق يوقظ القلب ويبين العاقبة، ثم تأتي عبارة ﴿يَا بُنَيَّ﴾ بما تحمله من قرب وشفقة، لتجعل النصيحة أقرب إلى نفس الابن، وأبعد عن الشعور بالتوبيخ أو الإهانة.
فالأبناء يحتاجون إلى أن يشعروا بأن من يوجههم يحبهم، ويخشى عليهم، ويريد لهم الخير، وحين تجتمع المحبة بالحكمة، يصبح التوجيه جزءًا من علاقة لطيفة محببة للنفس البشرية.
العقيدة أولًا:
وحين نقرأ وصايا لقمان لابنه، نلحظ أنه بدأ بتصحيح الاعتقاد، فكانت أولى وصاياه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾.
وهذا الترتيب يكشف عن أهمية التوحيد في بناء الإنسان؛ فالعلاقة بالله تعالى هي الأصل الذي تتفرع عنه معاني العبودية.
ولا يعني تقديم العقيدة إغفال بقية جوانب التربية، بل يعني وضع الأساس الذي تتكامل معه الأخلاق والعبادات والمعاملات.
ومن هنا تبرز أهمية أن يربط الآباء المعاني الإيمانية بمواقف الأبناء اليومية؛ فيشرحوا لهم صلة الصدق بمراقبة الله تعالى، وأثر الشكر في التعامل مع النعم، وبهذا يصبح الحوار الإيماني حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
الإيمان قبل القرآن:
ويؤكد هذا المعنى ما رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (كُنَّا غِلْمَانًا حَزَاوِرَةً [قاربوا سنّ البلوغ] مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا) [صحيح ابن ماجه].
ويشير الأثر إلى عناية الصحابة بتأسيس الإيمان في نفوس الناشئة، قبل الانتقال إلى تعلم القرآن، ثم ازديادهم إيمانًا بتعلمه.
وليس المقصود الفصل بين القرآن والإيمان، فكتاب الله هو أصل الهداية ومصدرها، وإنما التنبيه إلى أن حفظ القرآن ينبغي أن يصاحبه فهم لمعانيها، وترسيخ لما تدعو إليه من اعتقاد وعمل.
فالهدف أن يحفظ الابن الآيات وأن يتعلم كيف تهديه، وأن يفهم ما تتضمنه من حقائق الإيمان، وأن يترجم ما تعلمه إلى سلوك.
بناء القناعة:
ومن تأمل وصايا لقمان لابنه وجد أنه يلفت نظره إلى الأسباب والمعاني التي تجعل التوجيه جديرًا بالقبول، فعندما ينهاه عن الشرك، يبين له علته: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا يرتبط النهي بمعناه، ويصبح الابن أمام حقيقة يفهمها.
وهذا من أهم ما تحتاج إليه التربية الأسرية اليوم، أن ينتقل الوالدان من مجرد مطالبة الأبناء بالاستقامة إلى بناء القناعة التي تعينهم على الاستقامة حتى في غياب الرقابة.
حين يغيب الحوار:
وقد يؤدي غياب الحوار إلى أن يتلقى الابن التوجيهات دون أن يفهم مقاصدها، أو أن يبحث عن إجابات لأسئلته في مصادر لا تحسن التعامل معها.
أما حين يجد في أسرته من يصغي إليه، ويحترم سؤاله، ويجيبه بما يناسب عمره وقدرته على الفهم، فإنه يتعلم أن طلب المعرفة لا يتعارض مع الإيمان، وأن البيت مكان يمكنه أن يعود إليه حين تختلط عليه الأمور.
دعوة للآباء:
وفي هذا النموذج دعوة للآباء إلى استعادة الحوار الإيماني بوصفه جزءًا أصيلًا من مسؤوليتهم التربوية؛ قال ﷺ: (كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والأميرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهلِ بَيتِه، والمَرأةُ راعيةٌ على بَيتِ زَوجِها وولَدِه، فكُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه)[متفق عليه].
فبناء شخصية الابن تكون بمساعدته على فهم عقيدته، وتكوين ضمير إيماني يستطيع أن يميز به بين الحرام والحلال.
الأم وصناعة الإنسان الصالح:
ولاتقف التربية الإيمانية عند حدود الأب، فالأم شريكة النجاح بتنظيمها الحياة اليومية، واختيار البيئة التعليمية، ومرافقة الأبناء في خطواتهم الأولى.
وتكشف سير عدد من العلماء عن نماذج لأمهات أدركن أن بناء الإنسان المؤمن الصالح يبدأ مبكرًا، وأن رعاية الأبناء تشمل توجيه اهتماماتهم، وغرس القيم في نفوسهم، وتهيئة الطريق أمامهم لطلب العلم.
فهم عميق للتربية الإيمانية:
ومن هذه النماذج ما ورد عن الإمام مالك: نشأتُ وأنا غلام، فأعجبني الأخذ عن المغنين، فقالت أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلتَفَت إلى غنائه؛ فدع الغناء واطلب الفقه، فألبستني ثيابًا مشمرة [مرفوعة]، ووضعت الطويلة على رأسي [القلنسوة الطويلة] وعمَّمتني فوقها، ثم قالت: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
ولما توفي والد البخاري نشأ ولده أبو عبد الله يتيمًا في حجر أمه، فأسلمته إلى معلم إلى أنْ كمل له عشر سنين.
وتكشف هذه الوصايا عن فهم عميق لطبيعة التربية؛ فالمعلم يقدم بسلوكه نموذجًا يتعلم منه الطالب كيفية التعامل، واحترام العلم وأهله، والصبر على التعلم، كما تكشف عن دور الأم في ملاحظة ميول ابنها وتوجيهها.
خاتمة:
إن الحوار والتربية الإيمانية اللَّذَيْن يكشف عنهما نموذج لقمان، وتؤكدهما دلالات التعليم والتربية في سير العلماء، يُذكّران الآباء بأن مسؤوليتهم عن الأبناء تمتد إلى بناء علاقة صحيحة لهم مع الله تعالى.
تحدّي (يا بُنَيَّ):
اختر وصية واحدة من وصايا لقمان وناقشها مع أبنائك بحوار هادئ. اكتب في التعليقات «قبلت التحدي» والوصية التي اخترتها.
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy