كيف يرفع القرآنُ صاحبَه؟

كيف يرفع القرآنُ صاحبَه؟
2026/09/27

لـ«صاحبِ القرآن» شرفٌ وعلوُّ شأنٍ ورفعةُ منزلةٍ لا يضاهيها شرفٌ ولا منزلةٌ، وإنما كانت له هذه المكانة العالية لارتباطه بكلام الله الذي يستمد مجده ورفعته مِن عظمة وجلال مَن تكلم به، وهو الله جل ثناؤه.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكُمۡ كِتَـٰبࣰا فِیهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [الأنبياء ١٠] أي: فيه شرفكم وفخركم وارتفاعكم إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي؛ ارتفع قدركم وعظم أمركم.(1)

وحين التقى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق الحج بواليه على مكة الصحابي "نافعِ بنِ عَبدِ الحارِثِ" رَضِي اللهُ عنه، وكان لقاؤهما في منطقة تسمى عُسْفانَ -على مَسافةِ 80 كم مِن مكَّةَ شَمالًا على طَريقِ المَدينةِ- فسأله: مَن استخلفتَ على مكة؟ أي لإدارة شؤونها مدة غيابك؛ فأخبره أنه استعمل عليهم  "عَبْدَ الرَّحمنِ بنَ أبْزَى" وهو مَولى نافعِ بنِ الحارثِ، وكان عمر لا يعرفه، فسأل عنه، فقال له نافع: مَولًى مِن مَوالينا! (أي كان عبدًا فأُعتِق)؛ فتعجب عمر وقال: فاستَخلَفتَ عليهم مَولًى؟! فأوضح له نافع: "إنَّه قارِئٌ لكِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّه عالِمٌ بالفَرائِضِ"، فقال عُمَرُ: أما إنَّ نَبيَّكُم ﷺ قد قال: "إنَّ اللَّهَ يَرفَعُ بهذا الكِتابِ أقوامًا، ويَضَعُ به آخَرينَ".(2)

وقوله ﷺ : «إن ‌الله ‌يرفع ‌بهذا الكتاب» أي: بالإيمان به وتعظيم شأنه والعلم به والعمل بما فيه؛ فيرفع به درجتَهم في الدنيا والآخرة بأن يحييَهم حياة طيبة ويرزقهم عزة وشرفا ورفعة في الدنيا، ويجعلهم من الذين أنعم الله عليهم في العقبى. 

ومن صور ما يمنحه القرآن لأهله من رفعة، أنهم يُقدَّمون على غيرهم في عددٍ من المشاهد؛ منها:

المشهد الأول: في الصلاة:

وهي شعيرة من أهم شعائر وأركان الإسلام، يتقدم صاحبُ القرآن ليكون إمامًا للمسلمين فيها، كما يقول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ القَومَ أقرَؤُهم لكِتابِ اللهِ …»(3).
«‌أَقْرَؤُهُمْ» أي: أحفظهم «للقرآن» وأعرفهم بمعانيه، فقد كان في زمنه -ﷺ- الأقرأ هو الأفقه والأعلم، … وظاهر الحديث الإيجاب في تقديم الأقرأ على غيره.(4)
وفي الحديث الآخر، قال النبي ﷺ: «وليؤُمَّكُم أَكْثرُكُم قرآنًا»(5)

المشهد الثاني: في البرزخ

ففي يوم أحد، عندما شكا الصحابة إلى رسول الله ﷺ مشقة حفر قبر مستقل لكل شهيد لكثرة القتلى وكثرة الجراح فيهم؛ أمرهم بحفر القبور وتعميقها ودفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد.
وعندما سألوا: فمَن نقدِّمُ يا رسولَ اللَّهِ ؟ أي عند الإدخال إلى القبر ليكون الأقرب إلى الكعبة، قال النبي ﷺ: "قدِّموا أكثرهم قرآناً" أي: أَحفَظَهم للقُرآنِ!(6)

المشهد الثالث: يوم القيامة

وذلك حين: «يُقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ، وارْقَ [وارتَقِ]، ورتِّلْ كما كنتَ ترتِّلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزلتَك عند آخرِ آيةٍ تقرؤُها»(7)
قال الخطابي: «جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، يُقال للقارىء: ارق في الدرج على قدر ما كنتَ تقرأ مِن آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءا منها كان رُقيُّه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة»(8)

فأي شرف يعدل ذلك الشرف، وأي منزلة تعدل تلك المنزلة لصاحب القرآن:
في الدنيا يقدّمك، وفي البرزخ يقدّمك، وفي الآخرة يرفعك… 
فطوبى لمن جعل القرآن صاحبه في الدنيا، فكان القرآن سببًا في رفعة منزلته في الدارين ..

🤲اللهم اجعلنا من أهل  القرآن الذين هم أهلك وخاصتك
قولوا … آمين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير السعدي.
(2) رواه مسلم (817).
(3) رواه مسلم (673).
(4) التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (11/ 193).
(5) رواه البخاري (4302).
(6) أخرجه الترمذي (1713)، والنسائي (2010)، وصححه الألباني.
(7) أخرجه أبو داود (1464)، والترمذي (2914)، وصححه الألباني.
(8) معالم السنن (1/ 289).

صورة المستخدم
جاري التحميل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة