الموت هو الحقيقة الكبرى التي يتساوى أمامها البشر جميعا؛ فلا مال يمنعه، ولا منصب يؤخره، ولا قوة تحول دونه.
ومهما امتدت بالإنسان سنوات العمر، فسيأتي يوم تنتهي فيه رحلته الدنيوية، وينتقل إلى مرحلة أخرى.
وفي اللحظات الأخيرة من الحياة، يمر الإنسان بمرحلة الاحتضار، وما قد يصاحبها من سكرات وشدائد، لتكون تذكيرا بحقيقة الموت الذي طالما رآه في الآخرين، حتى يأتي دوره.
قال الله تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
إنها لحظة تنتهي عندها فرص العمل في الدنيا، ويواجه الإنسان حقيقة الرحيل الذي لا يستطيع دفعه إذا جاء أجله.
فما المقصود بسكرات الموت؟ وماذا أخبرنا القرآن الكريم والسنة النبوية عن لحظات الاحتضار؟ وكيف يستعد المسلم لهذه اللحظة التي لا يعرف موعدها؟
أولا: ما المقصود بسكرات الموت؟
السَّكْرة في اللغة حالة تغشى الإنسان وتغلب على إدراكه، وتطلق سكرات الموت على شدائده وكرباته التي تصاحب الاحتضار.
وقد أخبرنا القرآن الكريم عن هذه الحقيقة في قوله تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
ذكر الإمام الطبري في جامع البيان أن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ يحتمل معنيين: أن سكرة الموت تكشف للإنسان حقيقة الآخرة، أو أنها تأتي بحقيقة الموت الذي لا مفر منه.
وأشار الطبري كذلك إلى ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حضرته الوفاة، فقد دخلت عليه عائشة رضي الله عنها، وذكرت بيتا من الشعر يتحدث عن حشرجة الموت وضيق الصدر، فقال لها أبو بكر: لا تقولي ذلك، ولكن قولي كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن سكرة الموت هي شدته وغمرته، وأن الإنسان يعاين عند الموت حقيقة ما وعد الله به وأوعد.
وفسر قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ بأن المراد قد يكون الموت نفسه، فهو أمر واقع لا محالة وينقل الإنسان إلى دار الحق. أما قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ فمعناه: هذا الموت الذي كنت تفر منه وتتجنبه.
واستشهد القرطبي بحديث عائشة رضي الله عنها في سكرات موت النبي ﷺ، الذي رواه البخاري.
لا إله إلا اللهُ ، إنَّ للموتِ سَكَراتٍ"
|
وهكذا يجتمع في الآية معنى شدة الموت وحقيقة وقوعه، وما يكشفه للإنسان من الحقائق التي كان غافلا عنها أو يؤجل التفكير فيها.
كم من إنسان يؤجل توبته، ويؤخر إصلاح أخطائه، وينشغل بجمع المال وتحقيق الأهداف، وكأن الموت بعيد عنه! لكن الآية تذكره بأن الهروب من تذكر الموت لا يعني النجاة منه، وأن الاستعداد الحقيقي له يبدأ قبل حلول أجله.
ماذا يحدث للإنسان عند الاحتضار؟
الاحتضار هو المرحلة التي تسبق الموت، وقد أخبرنا الله تعالى عن بعض مشاهدها، دون أن يكشف لنا جميع تفاصيلها الغيبية.
قال الله تعالى:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 83-85].
تأمل هذا المشهد: إنسان تحيط به أسرته وأحباؤه، يتمنون بقاءه، ويسعون إلى مساعدته، لكنهم لا يملكون دفع الموت عنه إذا جاء أجله.
قد يضعف جسده، ويتغير تنفسه، ويعجز عن التعبير عما يشعر به، وتختلف أحوال المحتضرين من شخص إلى آخر.
أما حقيقة ما يجري بين الروح والجسد، وما يراه المحتضر من أمور الغيب، فلا يجوز الجزم بتفاصيله إلا بدليل من الوحي.
ومن المهم ألا نخلط بين ما أثبته الشرع وما شاع في بعض القصص من أوصاف تفصيلية لخروج الروح، كترتيب خروجها من القدمين ثم صعودها إلى بقية الجسد؛ إذ لا يصح اعتماد هذا الوصف من غير دليل ثابت.
إن الإيمان بالغيب لا يعني إطلاق الخيال في وصفه، بل يعني الوقوف عند ما أخبرنا الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الملائكة عند الموت.. بشارة للمؤمن ووعيد للظالم
من أعظم ما أخبرنا به القرآن الكريم أن الملائكة تتنزل على المؤمنين بالبشارة والأمان.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].
تأمل هذه البشارة العظيمة: ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
إنها كلمات تحمل معاني الأمان والطمأنينة، وتكشف عن عاقبة الإيمان والاستقامة.
لكن الآية تربط هذه البشارة بقول: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، ثم بالاستقامة؛ فالإيمان حقيقة تظهر آثارها في الاعتقاد والعمل والسلوك.
وفي المقابل، أخبر الله تعالى عن حال الظالمين عند الموت، فقال:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: 93].
وهكذا تتفاوت أحوال الناس عند الموت بحسب ما أخبرنا الله به، لكن لا يجوز لنا أن نجزم بمصير شخص بعينه لمجرد ما ظهر لنا من حاله عند الاحتضار؛ فالله وحده يعلم السرائر، وإليه المرجع والمآب.
رابعا: سكرات الموت وخير خلق الله صلى الله عليه وسلم
قد يظن بعض الناس أن شدة الاحتضار دليل على سوء الخاتمة أو غضب الله على العبد، لكن هذا التصور غير صحيح؛ فقد عانى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من سكرات الموت
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول:
«لا إله إلا الله، إن للموت سكرات».
- صحيح البخاري 4449
وهذا يعلمنا أن شدة سكرات الموت لا تدل بذاتها على سوء الخاتمة، كما أن سهولة الاحتضار لا تكفي وحدها للحكم بحسن خاتمة الإنسان.
فالمعيار ليس مقدار الألم الذي يظهر على المحتضر، وإنما حقيقة الإيمان والعمل، وما يختم الله به للعبد.
وليس لنا أن نحكم على مصير أحد اعتمادا على مظهر احتضاره وحده.
إن هذا المعنى يدعونا إلى ترك الأحكام المتسرعة على الناس، وإلى الاهتمام بإصلاح أنفسنا والاستعداد للقاء الله تعالى.
خامسا: كيف يستعد الإنسان لسكرات الموت؟
إن الاستعداد للموت لا يعني ترك العمل أو الانقطاع عن الحياة، وإنما يعني أن يعيش الإنسان حياة عامرة بالإيمان والطاعة، مدركا أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء.
ومن أهم وسائل الاستعداد لهذه اللحظة:
1. التوبة الصادقة ورد المظالم
لا ينتظر العاقل حتى يقترب الموت ليبدأ إصلاح حياته، بل يبادر إلى التوبة كلما أخطأ، ويحرص على رد الحقوق إلى أصحابها، والتحلل من المظالم، والإقلاع عن المعاصي.
فكم من إنسان يؤجل الاعتذار، أو يماطل في رد حق، أو يستمر في ظلم غيره، ظنا منه أن الوقت ما زال طويلا! ثم يأتي الموت فينتهي زمن العمل، وتبقى الحقوق التي لم يؤدها.
لذلك ينبغي للمسلم أن يجعل التوبة عادة متجددة في حياته، لا خطوة مؤجلة إلى مستقبل لا يضمن الوصول إليه.
2. حسن الظن بالله تعالى
من أعظم ما يحتاج إليه المؤمن أن يجمع في حياته بين الخوف من التقصير والرجاء في رحمة الله ومغفرته.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول:
«لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».
- صحيح مسلم 2877
وحسن الظن بالله لا يعني الإصرار على المعصية أو الاتكال على المغفرة دون عمل، وإنما يعني أن يجتهد الإنسان في الطاعة والتوبة، ويرجو رحمة الله، ولا يقنط من مغفرته.
3. الإكثار من ذكر الموت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أكثروا ذكر هاذم اللذات».
والمقصود بهادم اللذات هو الموت؛ لأنه ينهي متاع الدنيا ويقطع التعلق بها.
- حديث حسن (الترمذي 2307)
وليس المقصود من تذكر الموت أن يعيش الإنسان في خوف دائم، أو أن يهجر مصالحه وأعماله، بل أن يضع الدنيا في موضعها الصحيح، فلا تغره زينتها، ولا تجعله ينسى آخرته.
حين يتذكر الإنسان الموت، يصبح أكثر حرصا على الصلاة، وأبعد عن الظلم، وأسرع إلى التوبة، وأشد اهتماما بما ينفعه بعد رحيله.
4. الاستقامة على طاعة الله
إن الاستقامة على الطاعة من أعظم أسباب التوفيق لحسن الخاتمة؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يحافظ على فرائضه، ويجاهد نفسه على ترك المعاصي، ويكثر من الذكر والاستغفار، ويسأل الله الثبات حتى الممات.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].
والإنسان لا يعرف متى يأتيه أجله، لكنه يستطيع أن يسعى في إصلاح ظاهره وباطنه، وأن يجعل أيامه عامرة بما يرضي الله تعالى.
فبدلا من أن ينشغل بالسؤال عن كيفية الموت وحدها، عليه أن يسأل نفسه: كيف أعيش حتى ألقى الله على خير حال؟
كيف نتعامل مع المحتضر؟
لم يترك الإسلام الإنسان في لحظاته الأخيرة دون توجيه، بل شرع آدابا رحيمة تحفظ للمحتضر كرامته، وتعين الحاضرين على القيام بما ينفعه.
1. تلقينه الشهادة برفق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لقنوا موتاكم لا إله إلا الله».
- صحيح مسلم 916
ويكون التلقين برفق وهدوء، فيذكر الحاضرون المحتضر بكلمة التوحيد دون إلحاح يضايقه أو يثقل عليه.
فإذا نطق بها، فلا يكررون عليه التلقين ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر.
وهذا من أعظم ما يمكن أن يعين به المسلم أخاه في تلك اللحظات؛ إذ يذكره بأصل الدين وكلمة التوحيد.
2. الدعاء له بالرحمة والمغفرة
من الرحمة بالمحتضر أن يحيط به أهله بكلمات طيبة ودعاء صادق، بعيدا عن الصراخ والجزع والكلام الذي يزيده اضطرابا.
وقد ثبت عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة رضي الله عنه بعد وفاته، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال:
«إن الروح إذا قبض تبعه البصر».
فضج ناس من أهله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون».
ثم دعا لأبي سلمة فقال:
«اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه».
3. تغميض عيني الميت والدعاء له
من السنة أن تغمض عينا الميت بعد تحقق وفاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأبي سلمة رضي الله عنه.
وقد دل حديث أم سلمة رضي الله عنها على ذلك، كما دل على أن البصر يتبع الروح عند قبضها، وعلى مشروعية الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة.
وهذا من الآداب التي تعبر عن الرحمة بالميت، إلى جانب الدعاء له، والحرص على تجهيزه ودفنه وفق أحكام الشرع.
إن الإسلام يوجهنا في هذه اللحظات إلى الرحمة والسكينة، فلا يكون الموت مناسبة للجزع الذي لا ينفع، بل بابا للدعاء والعمل بما أمرنا به.
خاتمة: ماذا أعددت للقاء الله؟
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].
هذه حقيقة لا يستثنى منها أحد، مهما اختلفت أعمار الناس وأحوالهم وأمانيهم. لكن السؤال الأهم ليس: متى نموت؟ بل: ماذا أعددنا للقاء الله؟
إن سكرات الموت تذكرنا بأن الحياة الدنيا مهما طالت فإنها تنتهي، وأن الفرصة التي نملكها اليوم لن تبقى متاحة إلى الأبد.
ولذلك فإن الاستعداد للموت لا يبدأ عند الاحتضار، بل يبدأ من لحظة إدراكنا أن العمر أمانة، وأن كل يوم يمضي يأخذ معه جزءا من فرصتنا في العمل.
فلنبادر إلى التوبة، ولنرد الحقوق إلى أصحابها، ولنحافظ على الصلاة، ولنحسن إلى الناس، ولنكثر من ذكر الله، ولنجعل لنا أثرا صالحا يبقى بعد رحيلنا.
وإذا كان الموت حقيقة لا نستطيع دفعها، فإننا نستطيع أن نستعد لها بالإيمان والعمل الصالح، وأن نرجو رحمة الله وفضله.
قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89].
فنسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يهون علينا سكرات الموت، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه اللهم آمين
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy