من المؤسف أن تتحول بعض المعاملات اليومية بين المسلمين إلى مصدر للضيق والمعاناة، لا لأن الأمر في أصله صعب، ولكن لأن بعض الناس اختاروا أن يجعلوه صعبًا!
فهذا موظف يؤخِّر مصالح الناس ويعقِّد إجراءاتهم، وذلك صاحبُ عملٍ يُرهقُ أجيره ويكلفه ما لا يطيق، أو يماطل في إعطائه أجره، وذلك معلم يرهق طلابه بما لا حاجة إليه، ويصعّب عليهم دراستهم وامتحاناتهم، وذاك وليٌّ يغالي في مهر مُوَلِّيَتِه ويعسِّر على مَن يريد نكاحها بكثرة الطلبات والنفقات … وغيرهم ممن يجدون في التعسير على الناس نوعًا من إظهار السلطة أو إثبات المكانة!
التيسير أصل من أصول الشريعة:
ويغفل هؤلاء جميعًا عن أصل عظيم من أصول الشريعة، بيّنه الله تعالى في قوله:
﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ [البقرة ١٨٥]
قال الشَّوكانيُّ:
"هذا مَقصدٌ مِن مَقاصِدِ الرَّبِّ سُبحانَه، ومُرادٌ مِن مُراداتِه في جَميعِ أُمورِ الدِّينِ، ومِثلُه قَولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[الحج: 78]"(1).
ففي هذه الآية الكريمةِ "تَقريرٌ للمَبادِئِ التي جاءَت بها شَريعةُ الإسلامِ؛ تلك المَبادِئِ التي تَتَوخَّى في كُلِّ شُؤونِها التَّيسيرَ لا التَّعسيرَ، والرِّفقَ لا التَّشديدَ"(2).
وكان هدي النبي الكريم ﷺ عدم التعسير، ولهذا كان يأمر: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا»(3).
وحذر أيضًا من التعسير وإلحاق المشقة بالناس؛ فقال ﷺ: «مَن ضارَّ ضارَّ اللَّهُ به، ومَن شاقَّ شَقَّ اللَّه عليه»(4).
الآثار السلبية للتعسير:
وللتعسير والمشقة آثار سلبية عديدة؛ منها: زرع بذور الكراهية والحقد في الصدور، ونزع أواصر المحبة، والانقطاع عن أعمال البر والخير، والتخلي عن فضيلة الرحمة والرفق، كما أن التشديد قد يؤدي ببعض الناس إلى الميل نحو أهل البدع والضلالات.
كيف نتخلص منه؟!
ولكي يتخلص الإنسان من هذه الصفة الممقوتة (التعسير)، يحتاج إلى سلوك مسارات إيمانية وسلوكية؛ منها:
- إدراك أن التيسير عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وأن إدخال السرور على قلوب المسلمين وتفريج كربهم من أحب الأعمال إلى الله.
- إدراك أنه موقوف ومحاسب عن قدرته التي استغلها في التضييق على عباد الله.
- تغليب خلق الرفق ولين الجانب: فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه.
- وضع النفس مكان الآخرين: قبل أن تُعسّر المعاملة أو الامتحان أو العمل على غيرك، تخيل نفسك في موقفه وأنت تبحث عن يدٍ تمد لك العون لا عائقا يُعطل مسيرتك.
- الحذر من التعرض لدعوة النبي ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه»(5).
فاحرص دوما على أن تكون بابًا للتيسير لا عائقًا في طريق الناس.. فما أجمل أن تترك أثرًا طيبًا في حياتهم!
هل كنت يومًا سببًا في تيسير أمرٍ على أحد؟
شاركنا تجربتك في التعليقات💬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح القدير (1/ 210).
(2) التفسير الوسيط (1/ 420).
(3) رواه البخاري (69) واللفظ له، ومسلم (1734).
(4) صحيح سنن ابن ماجه (1911).
(5) رواه مسلم (1828).
facebook
whatsApp
twitter
telegram
copy