﴿یَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَاۤىِٕرُ﴾.. وتسقط كل الأقنعة!

﴿یَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَاۤىِٕرُ﴾.. وتسقط كل الأقنعة!
2026/10/02

في الدنيا، يستطيع الإنسانُ أن يستر زلاته ويُخفيَ معايبه عن الناس، فيظهر أمام الناس في أزهى الصور والصفات: صالحًا، عابدًا، مُتعلِّمًا … لكنه في المقابل يغفل عن يوم استثنائي تُكشف فيه الحقيقة كما هي بلا تجميل ولا تزييف، إنه يوم القيامة الذي وصف الله حال الإنسان فيه بقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۝٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ۝١٠﴾ [الطارق: ٩-١٠].

أي: تختبر سرائر الصدور ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦]؛ ففي الدنيا ينكتم كثير من الأشياء ولا يظهر عيانًا للناس، وأما يوم القيامة؛ فيظهر بر الأبرار وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية(1).

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "يُبدي اللهُ عز وجل يوم القيامة كلَّ سِرٍّ؛ فيكون زَينًا في وجوهٍ، وشَينًا في وجوه"(2).

قد يحرص الإنسان على أن يراه الناس كريمًا، بينما يضيق صدره بالعطاء!

وقد يظهر أمامهم متواضعًا، بينما يتطلع قلبه إلى المدح والثناء!

وقد يتحدث عن محبة الخير للناس، وفي داخله حسد أو حقد أو شماتة!

وقد يتظاهر بالتدين والصلاح، بينما يخلو بنفسه فيتجرأ على ما يستحيي أن يراه الناسُ عليه!

وفي المقابل، قد يكون هناك من يعمل الخير في صمت، ويخفي صدقته، ويكتم عبادته، ويجاهد نفسه بعيدًا عن أعين الناس، فلا يعرف الناسُ عنه إلا القليلَ، بينما هو عند الله أعظم مما يتصوّرون.

فلا ينبغي أن ينشغل المرء كثيرًا بصورة الناس عنه، بقدر انشغاله بحقيقته عند الله وليجعل هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة على باله دومًا: يوم تُختبر السرائر وتُكشف حقائقها، يوم تسقط جميع الأقنعة؛ فلا يبقى شيءٌ من خفايا النفوس في موضع الخفاء، ولا يعود الإنسان قادرًا على صناعة صورة وهمية لنفسه كما كان يفعل في الدنيا.

ومن صور انكشاف السرائر التي أوضحتْها السنة المباركة مشهد ذلك الغادر يوم القيامة: «إِذَا جَمَعَ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ؛ فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ»(3).

وفى بعض روايات الحديث: "يُعْرَفُ بهِ"، وفى أخرى: «يُعرَفُ به عندَ اسْتِه»، وفي أخرى: "بِقدْرِ غَدْ رَتِهِ"!

والغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، ولما كان الغدر مكتوماً ومستتراً به في الدنيا، شُهر به صاحبُه، وكشف ستره يوم القيامة لتتم فضيحته، ويتشنع ذلك معاقبةً له على غدره(4).

وفي الدنيا أيضًا: قد يجادل الإنسان عن نفسه ليقنع الناس بأنه محبٌّ، أو مخلص، أو صالح، أو مظلوم، أو ناصح، وقد يستطيع أن يخفي عنهم حقيقة مشاعره ومقاصده.

لكن يوم القيامة يختلف الأمر تمامًا؛ فهناك لا يجد قوة من نفسه يدفع بها عذاب الله، ولا يجد ناصرًا من غيره ينتصر به وينقذه مما ناله!، وذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةࣲ وَلَا نَاصِرࣲ﴾ [الطارق ١٠]

ونلاحظ أن الآية الكريمة ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ عبرت عن الأعمال بـ "السرائر"، وفي ذلك لطيفة، وهي أن "الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمَن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحُسنا، ومَن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته - لا اعتبار بصورته - فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها"(5).

وفي الآية إرشادٌ إلى ضرورة المبادرة إلى الإصلاح قبل انكشاف السرائر؛ فلا يزال الباب مفتوحًا، ولا يزال بإمكانك أن تراجع نيتك، وأن تطهر قلبك من الحسد والبغضاء والغل والكراهية، وأن تترك ما تخفيه مِن معاصٍ، ولتجتهد أن تجعل سرَّك خيرًا من علانيتك، وأن يكون باطنك أنقى من ظاهرك، بل أن تكون خبيئتك الصالحة أعظمَ من علانيتك!.

نسأل الله أن يصلح منا الظاهر والباطن، وأن يطهر سرائرنا وعلانيتنا … 

💭 شاركنا رأيك:

قبل أن يأتي يومٌ تسقط فيه كلُّ الأقنعة، وتنكشف فيه خفايا القلوب.. ماذا نحتاج أن نُصلح في سرائرنا اليوم؟


 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير السعدي.
(2) تفسير البغوي.
(3) أخرجه البخاري (3188)، ومسلم (1735)، وهذا لفظ مسلم.
(4) إكمال المعلم بفوائد مسلم (6/ 39).
(5) التبيان في أيمان القرآن لابن القيم (ص ١٦٨). 
 

صورة المستخدم

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة