أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟

أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟
2026/09/24

لا يستوي عند الله أهل الطاعة وأهل المعصية، فاختر اليوم الطريق الذي تحب أن تلقى الله عليه

يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۝ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 34-36].

تأتي هذه الآيات في سياق تقرير حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي أن الجزاء عند الله لا يكون اعتباطًا، ولا يستوي فيه أهل الطاعة وأهل المعصية، ولا أهل التقوى وأهل الإجرام.

فبعد أن ذكر الله تعالى جزاء المتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، أتبع ذلك باستفهام إنكاري شديد:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾.

وكأن الآية تضع أمام الإنسان سؤالًا لا يستطيع أن يهرب منه: كيف يمكن أن يستوي من عاش لله، وأطاع أمره، واجتنب نواهيه، وجاهد نفسه في سبيل رضاه، مع من أعرض عن أمره وأصر على معصيته؟

والجواب واضح: لا يستويان.

و اختلاف الطريق يؤدي إلى اختلاف المصير
وقد بيَّن الطبري أن المتقين هم الذين اتقوا عقاب الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وأن المسلمين هم الذين خضعوا لله بالطاعة والعبودية، أما المجرمون فهم الذين اكتسبوا الآثام وخالفوا أمر الله ونهيه.

وهذا يلفت النظر إلى أن القضية ليست أسماء أو أوصاف تُقال، وإنما هي طريق يعيشه الإنسان ويختاره كل يوم.

فالتقوى تظهر في الصلاة حين ينادي المنادي، وفي غض البصر حين تتاح المعصية، وفي حفظ اللسان حين يكون الكلام في أعراض الناس، وفي أداء الأمانة حين لا يراك أحد، وفي ترك الحرام حين تستطيع فعله ولا يمنعك منه إلا خوف الله.

وكذلك الإجرام والمعصية لا يبدآن دائمًا بأمر عظيم، بل قد تبدأ القصة بخطوة صغيرة يستهين بها الإنسان، ثم تتكرر حتى تصبح عادة، ثم يضعف القلب أمامها، حتى يألف الإنسان ما كان يستحيي منه في البداية.

ولهذا فإن كل يوم يمر على الإنسان هو في الحقيقة اختيار لطريق؛ طريق يقوده إلى الله، أو طريق يبعده عنه.

ثم تأتي الآية التي تحمل توبيخًا شديدًا وتعجبًا من هذا الحكم:

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

يذكر الآلوسي أن فيها تعجبًا واستبعادًا لهذا الحكم، أي: أي شيء أصابكم حتى حكمتم بهذا الحكم الباطل؟ وكيف تصورتم أن أهل الطاعة وأهل الإجرام يمكن أن يكونوا سواء؟

وهنا يظهر جانب من عظمة التعبير القرآني؛ فلم يقل سبحانه فقط: «لا يستوي المسلمون والمجرمون»، وإنما جاء بالسؤال:

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

سؤال يهز الإنسان من داخله، ويجعله يراجع موازينه وأحكامه.

فكم من شيء نحكم عليه في الدنيا بناءً على ظاهره، بينما ميزان الله مختلف؟

قد ترى شخصًا يعيش في سعة، وآخر يعيش في ضيق، فتظن أن الأول أفضل حالًا من الثاني.

وقد ترى صاحب معصية يعيش في صحة وقوة ومال، وترى إنسانًا صالحًا يمر بالابتلاء والتعب، فيتوهم بعض الناس أن النعيم دليل الرضا، وأن البلاء دليل السخط.

لكن القرآن يصحح هذا التصور.

فالدنيا ليست ميدان الجزاء النهائي، وإنما هي ميدان الابتلاء والعمل.

وقد يُعطى العاصي من متاع الدنيا، وقد يُبتلى الطائع، لكن ذلك لا يعني أن الفريقين عند الله سواء.

فالمعيار الحقيقي لا يظهر كاملًا في الدنيا، وإنما يظهر حين تنكشف الحقائق ويقف الناس بين يدي الله.

و قد يتشابه الناس في الدنيا، لكنهم لا يتشابهون عند الله

قد يمشي المطيع والعاصي في الشارع نفسه، ويعملان في المكان نفسه، ويسكنان في الحي نفسه، وربما امتلك كل واحد منهما مالًا وصحة ومكانة.

وقد لا ترى بعينك فرقًا كبيرًا بينهما.

لكن هناك فرقًا لا تراه العين، وهو ما في القلب وما في الصحيفة وما بين العبد وربه.

هذا يصلي وذاك يترك الصلاة.

هذا يغض بصره خوفًا من الله، وذاك يتبع شهوته.

هذا إذا أذنب بادر إلى التوبة، وذاك يصر على الذنب ويبرره.

هذا إذا خلا بنفسه استحيا من الله، وذاك إذا خلا بنفسه اجترأ على حدوده.

قد يتشابه الاثنان في الصورة الخارجية، لكنهما يسيران في طريقين مختلفين، وسيظهر الفرق حين يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا صورة اجتماعية.

وهنا تأتي الآية لترد الإنسان إلى الميزان الصحيح:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾.


ومن أعظم ما تعلمنا إياه هذه الآيات ألا نجعل مشاهد الدنيا المؤقتة معيارًا للحكم على رضا الله أو سخطه.

ليس كل من أُعطي مالًا محبوبًا عند الله، وليس كل من ابتُلي مكروهًا عند الله.

قد يكون المال نعمة على إنسان، وقد يكون استدراجًا لآخر.

وقد يكون البلاء سببًا في رفعة عبد وتطهيره وقربه من ربه.

ولهذا لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى حياة الآخرين فيقول: لماذا يعيش فلان أفضل مني؟ ولماذا يملك ما لا أملك؟ ولماذا أرى شخصًا يعصي الله ومع ذلك يعيش في راحة؟

الآية تذكرك بأن القصة لم تنته بعد.

وما تراه الآن ليس النتيجة النهائية.

والحساب الحقيقي لم يبدأ بعد.

وإليك رسالة الآيات في زمننا

هذا المعنى يزداد أهمية في زماننا؛ لأن الإنسان اليوم يعيش وسط سيل متواصل من الصور والمقارنات.

يفتح هاتفه، فيرى من يملك المال، ومن يسافر، ومن يعيش في رفاهية، ومن يحقق الشهرة، ومن تتسع دائرة متابعيه، ومن يعرض تفاصيل حياته وكأنها سلسلة متصلة من النجاح والسعادة.

ومع كثرة هذه المشاهد قد تتغير موازين الإنسان دون أن يشعر.

فيبدأ في قياس نجاحه بما يراه عند الآخرين، ويقيس قيمة حياته بما يملكه غيره، وربما ظن أن من يملك المال والشهرة والمتاع الدنيوي قد وصل إلى ما لم يصل إليه هو.

لكن القرآن يعيد ترتيب هذه الموازين:

فليس كل ما يراه الناس نجاحًا نجاحًا عند الله، وليس كل ما يبدو خسارة في أعينهم خسارة عند الله.

قد يكون أعظم انتصار للإنسان عملًا لا يعرف عنه أحد.

صلاة حافظ عليها في وقتها.

نظرة حرام غض بصره عنها.

معصية أغلق بابها وهو قادر على فعلها.

مال تركه لأنه لم يكن حلالًا.

كلمة كان يستطيع أن يقولها فيؤذي بها إنسانًا، لكنه أمسك عنها.

ذنب خفي بينه وبين الله، ثم قرر أن يتوب منه.

هذه الأعمال قد لا تظهر على شاشة، ولا تحصل بسببها على إعجاب أو تصفيق، لكنها عند الله ليست شيئًا هامشيًا.

وفي المقابل، قد يعتاد الإنسان أن يبحث عن قيمته في نظرة الآخرين إليه، فيقارن نفسه باستمرار، ويتابع حياة غيره، ويقيس نجاحه بعدد ما يملك وما يظهره أمام الناس، حتى ينسى السؤال الأهم:

كيف هي علاقتي بالله؟

وهنا تأتي الآيات لتقول للإنسان: لا تجعل موازين الناس هي موازينك.

فليس المهم أن تبدو ناجحًا أمام الناس، وإنما أن تكون ناجحًا حين تقف بين يدي الله.

وليس المهم أن يقال عنك إنك صالح، وإنما أن تكون صادقًا مع الله في السر والعلن.

وليس المهم أن تكسب سباق الدنيا كله ثم تخسر آخرتك؛ فالخسارة الحقيقية أن يصل الإنسان إلى نهاية عمره وقد جمع كثيرًا من الدنيا، لكنه لم يزدد قربًا من الله.

ولهذا، حين ترى من حولك يتنافسون على الدنيا، نافس أنت على ما يبقى.

وحين تشعر أن الطاعة ثقيلة، تذكر أن طريق الله قد يحتاج إلى مجاهدة، لكن نهايته أعظم من كل ما تركته من أجله.

وحين يغريك ذنب لأنك ترى الجميع يفعلونه، تذكر أن كثرة السالكين في طريق لا تجعل الطريق صحيحًا.

وحين تشعر أن توبتك تأخرت، فلا تقل: لقد ابتعدت كثيرًا؛ بل ابدأ من اللحظة التي أدركت فيها أنك ابتعدت.

فالآيات ليست حديثًا عن أقوام مضوا فقط، بل هي رسالة لكل واحد منا اليوم: لا تسمح لمقاييس الدنيا أن تقنعك بأن الطاعة خسارة، أو أن المعصية نجاح، أو أن أهل الحق وأهل الباطل سواء.


وهنا تتحول الآية من مجرد خبر عن اختلاف الفريقين إلى سؤال شخصي لكل واحد منا:

أين أنا من هؤلاء؟

هل أنا أسير في طريق التقوى، أم أؤجل التوبة كل يوم؟

هل إذا وقعت في الذنب سارعت إلى الرجوع إلى الله، أم جعلت المعصية أمرًا عاديًا في حياتي؟

هل أحرص على الفرائض كما أحرص على أمور الدنيا؟

هل إذا خلوت بنفسي راقبت الله، أم أصبحت علاقتي بالطاعة مرتبطة بنظر الناس؟

فالآية لا تدعونا فقط إلى أن نفرح بجنات النعيم التي أعدها الله للمتقين، بل تدعونا إلى **اختيار الطريق الذي يؤدي إليها**.

فمن أراد أن يكون من أهل التقوى، فليبدأ من اليوم.

ومن أثقلته الذنوب، فباب التوبة مفتوح.

ومن قصّر في الصلاة، فليعد إليها.

ومن اعتاد معصية، فليجاهد نفسه في تركها.

ومن ابتعد عن القرآن، فليعد إلى كتاب الله.

ومن كانت له مظلمة عند أحد، فليسارع إلى ردها والتحلل منها.

فليس المطلوب أن يكون الإنسان بلا ذنب، وإنما المطلوب ألا يستسلم للذنب، وأن يبقى قلبه راجعًا إلى الله كلما زلّت قدمه.

 اختر خاتمتك من خلال عملك اليوم

تأمل مرة أخرى قول الله تعالى:

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.

لم يقل: للمتقين في الدنيا فقط، بل قال: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾.

فما عند الله هو الباقي، وما عند الناس زائل.

قد تخسر شيئًا من الدنيا بسبب طاعتك لله، وقد يفوتك شيء من متاعها لأنك رفضت الحرام، وقد تختار العفاف حين يستطيع غيرك الوصول إلى ما لا يحل له، لكنك لا تخسر عند الله.

وقد تتنازل عن شهوة عاجلة، أو مال مشبوه، أو علاقة محرمة، أو كلمة تؤذي مسلمًا، وأنت لا ترى مقابلًا فوريًا لتنازلك.

لكن الله يرى.

والله يعلم.

والله لا يضيع عمل العاملين.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يصاحب الإنسان ليس:

ماذا سأحصل عليه اليوم؟

بل:

إلى أين يقودني ما أفعله اليوم؟

فكل طاعة تؤديها، وكل معصية تتركها، وكل شهوة تكبحها لله، وكل مرة تغلب فيها نفسك من أجل مرضاة الله، هي لبنة في الطريق الذي تسير فيه.

وفي المقابل، كل استهانة بالذنب، وكل إصرار على المعصية، وكل تأخير للتوبة، هو اختيار لطريق آخر.

وفي النهاية، سيصل كل إنسان إلى نهاية الطريق الذي اختاره.

فلا تستهن بخطوة في طاعة، ولا تستصغر ذنبًا، ولا تؤجل التوبة.

فقد يكون العمل الذي تفعله اليوم جزءًا من الطريق الذي تلقى الله عليه غدًا.

وقد تختلف الموازين في أعين الناس، وقد تختلط عليهم الصور والظواهر، لكن عند الله لا تختلط الموازين:


فاختر اليوم الطريق الذي تحب أن تلقى الله عليه.

وختامًا: شاركنا في التعليقات: ماذا تعلمت من هذه الفائدة

صورة المستخدم

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة